الخميس، 1 ديسمبر 2011

أصحـاب الإمام الحسين

قال الإمام الحسين عليه السلام

(لا أعلم أصحابا أولى ولا خيراً من اصحابي)


يُعد موقف الشهداء الحسينيين شارة في التحولات المهمة لبناء الشخصية النموذجية الكاملة ، ويُستقرأ في المواقف المتعددة التي امتاز بها اصحاب الحسين عليه السلام حالات إنسانية متكاملة يجب التوقف عندها ملياً ، فالتشكيلة التي ضمتها هذه الباقة من الشهداء توقفنا على أكثر من حالة نستشعر من خلالها أن هذه القضية لا يمكن أن تماثلها حالة في وجدانياتها وما صاحبها من مواقف الايثار والوفاء والعشق لقائدها ولقضيتها ، فمن هذه الحالات:

أولاً:حالة التجـرد التام عن كل شيء يشغلها عن قضيتها الاساس حيث لم يراع هؤلاء أية مسألة أخرى سوى قضيتهم فالساعات القليلة للمعركة شهدت تحولاً ملحوظاً على الصعيد الإنساني ، اذ أثبت أصحاب الحسين عليه السلام امكانية تجرد الإنسان تماماً عن كل شيء والذوبان في قضيته وهدفه فوجدوا في التضحية غايتهم واستشعروا في الموت أمنيتهم ، فهذان سعيد بن عبد الله الحنفي وعمر بن قرظة الانصاري يجعلان من أنفسهما درعاً يقيان الحسين عليه السلام عند صلاته فيقفان أمامه ولما يثخنان بالجراح يسقطان وهما يقولان أوفينا يابن رسول الله؟ فيقول الإمام: نعم.

ولعل ذلك سيبرز أكثر وضوحاً في صورتي واضح وأسلم حينما يُصرع واضح يأتيه الحسين عليه السلام فيعتنقه فيقول: من مثلي وأبن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واضع خده على خدي ، وحينما يعتنق الحسين عليه السلام أسلم مولاه يبتسم مفتخراً ويموت بين يدي الإمام وهاتان الصورتان تعطيان مثالاً رائعاً في التضحية والفداء فأسلم وواضح يفديان أنفسهما للحسين عليه السلام ومع هذا فان مجرد معانقة الحسين عليه السلام لهما يعدانها مفخرة عظيمة ومكسباً كبيراً.

ثانياً: حالة وضوح الهدف التي امتاز بها أصحاب الحسين عليه السلام فهم انما ثبتوا مع الحسين عليه السلام كانوا على بصيرة من أمرهم فلم يهولهم كثرة من قابلهم من العسكر، ولم يوهنهم قلة عددهم، وأنهم عرفوا حق موقفهم وهدى قائدهم ورشد قضيتهم ، لذا فانهم اتصفوا بحالة التسليم الكامل لأمر الحسين عليه السلام دون أن يصدر عن أحدهم أدنى اعتراض بل دون أن يقدموا أي إقتراح انما كانوا مسلّمين لأمرهم منقادين لطاعة سيدهم ، فحينما خطب فيهم الحسين عليه السلام بقوله: (أما بعد فقد نزل بنا من لأمر ما قد ترون وأن الدنيا قد تغيرت وتنكرت وأدبر معروفها .. إلى أن قال: فأني لا أرى الموت الا سعادة والحياة مع الظالمين الا برما) لم يعترض عليه أحد من أصحابه بل أظهروا له التسليم والاستماتة دونه على بصيرة من الأمر، فيقول له زهير بن القين (سمعنا يا أبن رسول الله مقالتك ولو كانت الدنيا لنا باقية وكنا فيها خالدين لآثرنا النهوض معك على الإقامة فيها) وقال برير بن خضير: ( يا أبن رسول الله لقد منّ الله بك علينا أن نقاتل بين يديك تُقطّع فيك أعضاؤنا ثم يكون جدك شفيعنا يوم القيامة).

ويقول نافع بن هلال في كلام طويل وفي أخره: (فسربنا معافي مشّرقاً إن شئت أو مغرّبا فوالله ما أشفقنا من قدر الله ولا كرهنا لقاء ربنا وإنا على نياتنا وبصائرنا نوالي من والاك ونعادي من عاداك).

وقد شهد بهذا عدوهم عمرو بن الحجاج بقولـه لأصحابه عند المنازلة : إنكم تقاتلون فرسان المِصر وأهل البصائر والمعرفة وهذه الشهادة توقفنا أن أصحاب الحسين عليه السلام كانوا في حالة البصيرة والمعرفة حتى بدا ذلك على سلوكهم وحركتهم وحيث ثبتوا لعدوهم عند المنازلة على قلتهم وكثرة من ناجزهم .

ثالثاً: التنوع في تشكيلة الاصحاب ، فقد قدّم أصحاب الحسين عليه السلام باقة من تعددية النماذج في الاعمار فهم بين الشيخ الطاعن في السن الذي ناف على الثمانين وبين الغلام اليافع الذي لم يبلغ الاحدى عشر، فهذا أنس بن الحارث الكاهلي كان من صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم شهد معه بدراً وحنيناً فحينما أراد أن يبرز شد وسطه بعمامة ورفع حاجبيه بالعصابة فلما نظر إليه الحسين عليه السلام بهذه الهيئة بكى . وهذا عمر بن جنادة الانصاري ابن احدى عشر سنة برز بعد مصرع أبيه فقاتل وقُتل رضوان الله عليه.

رابعاً: الملاحظ أن أصحاب الحسين عليه السلام قد امتاز أكثرهم بمنزلة علمية جديرة بالاهتمام فبرير بن خضير كان أحد قراء الكوفة فهو مفسر للقرآن يجتمع تحت منبره المئات ولـه رأي في ذلك ولم يكن مسلم بن عوسجة بأقل من ذلك فهو سيد قومه وقائدهم ، وهذا حبيب بن مظاهر الاسدي ممن صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسمع منه وروى عنه ولا ننسى أنس بن الحارث الكاهلي كان بدرياً وشهد مع النبي مواقفه وسمع حديثه، وكان شوذب الشاكري من رجال الشيعة جعل داره مألفاً لهم يذكرون فيها فضل أهل البيت(ع) وهذه خصوصية طالما يمتاز بها أهل الفضل والعلم ، فضلاً عن فقهاء بني هاشم كالعباس بن علي وعلي بن الحسين الاكبر ومسلم بن عقيل وغيرهم فهم معروفون بالعلم والفضل والفقاهة وخصوصية العلم والفقاهة لدى أصحاب الحسين عليه السلام توقفنا عند منعطف مهم وهو أن العلماء والفقهاء قد استوعبوا هدف نهضة الحسين عليه السلام ورأوا أن تكليفهم حقاً هو مناصرة الحسين عليه السلام فضلاً عن مبرراتها القانونية الفقهية.

خامساً: كانت نسبة الشباب في اصحاب الحسين عليه السلام كبيرة ، فقد امتاز أصحاب الحسين عليه السلام بقدر لا بأس به من العناصر الشابة القادرة على تحمّل التضحية والجهاد، وكانت لديهم دوافع التغيير والثورة بادية على تحركاتهم حتى أن داعي الثورة على الظالمين ومقتضيات التغيير التي دعا لها الإمام عليه السلام كانت دافعاً في استقطاب الشباب للاستجابة والانضمام إلى الإمام الحسين عليه السلام وهذا أحد أسباب طابع الحيوية والحركة والتفاعل التي امتازت بها ثورة الإمام الحسين عليه السلام.

سادساً: كان لحضور المرأة مع الإمام الحسين عليه السلام حالةً متميزة ، فقد أبدت المرأة وقتذاك موقفاً يُعد من أروع المواقف التي يمكن أن تقفها المرأة من أجل الدفاع عن قضيتها وعقيدتها وتجسّد مواقف (امرأة الطف) امكانية المرأة في التضحية والجهاد ومالها من دور في التغيير والبناء لا يمكن تخطّيه أو الغاءه، فمشاركة السيدة زينب عليها السلام وتحملها مسؤولية حفظ العيال وما أبدته من رباطة جأش في بيان حقيقة الثورة الحسينية وإفشال محاولات الأمويين الاعلامية في تزييف الحقائق ، أثراً مهماً ودوراً عظيماً هذا فضلاً عن نساء صحبن الحسين عليه السلام فأبدت بعضهن موقف المشاركة المباشرة في القتال فأم عبد الله بن عمير الكلبي حينما قُتل ولدها أخذت رأسه بعد أن قطعهُ الأعداء ورموه اليها فأخذته ومسحت عنه الدم وأخذت عمود خيمة وبرزت إلى الاعداء فردها الحسين وقال: ارجعي رحمك الله فقد وضع عنك الجهاد . وكانت أم عمرو بن جنادة الانصاري بعد أن قتل زوجها دفعت بولدها البالغ أحدى عشر سنة ليشارك في القتال فقال الإمام عليه السلام: هذا غلامُ قتل أبوه في الحملة الاولى ولعل أمه تكره ذلك فقال الغلام: إن أمي أمرتني فأذن له الإمام (ع) فلما قتل ورمي برأسه إلى جهة الحسين عليه السلام أخذته أمه ومسحت الدم عنه وضربت به رجلاً قريباً منها فمات وعادت إلى المخيم فأخذت عموداً وقيل سيفاً فردها الحسين إلى الخيمة بعد أن أصابت بالعمود رجلين ، مما يعني امكانية مشاركة المرأة المباشرة في الدفاع والتضحية عن العقيدة الا أن الأدلة تخصص ذلك وهو وضع الجهاد عن المرأة فيما اذا كان الرجال يقومون بمهمة الجهاد.

ان السمات الرئيسية لأصحاب الحسين عليه السلام توقفنا على ملامح الانسان الكامل مدافعاً عن مبادئه وعقيدته ، فالعلماء مهما بلغوا غايتهم من العلم فانهم لابد ان يشخّصوا المصلحة في الدفاع عن العقيدة حتى لو كلّف ذلك نفوسهم، فان النفوس رخيصة اتجاه المبادئ والقيم ، فاذا تهددت المبادئ فلا معنى لوجود العلماء دون أن يقدّموا أنفسهم قرباناً للمبدأ أو العقيدة وهذا ما مثّله أصحاب الحسين عليه السلام أمثال حبيب بن مظاهر الاسدي وبرير بن خضير ومسلم بن عوسجة وانس بن الحارث الكاهلي وغيرهم من العلماء الابرار الذين اقتحموا المنايا بنفوسهم بعد ان شخّصوا تكليفهم في الجهاد عن دينهم والذب عن إمامهم.

على أن أصحاب الحسين عليه السلام كانوا على بصيرة من أمرهم يدركون ماحولهم من مجريات ويقاتلون على هدى ورشد وهكذا يجب أن يكون الفرد المسلم على بصيرة من أمره وعلى معرفة من قضاياه ليمكنه تشخيص تكليفه وليس امّعة لا يدري ما يدور حوله وفي غفلةٍ عن الاحداث والقضايا.

كما أن اصحاب الحسين عليه السلام بشبابهم يعطون صورة واضحة لموقف الشاب المدافع عن قضيته وكيف أن الشباب الواعي يتحمل مسؤولية الجهاد والتضحية عن مبادئه وأنهم يدركون واجباتهم وأن لا يكونوا عالة على مجتمعهم فتغريهم معطيات حضارة فاجرة تُميت طاقاتهم وتُنهك قابلياتهم وتجعلهم يُلاحقون كل ساقطة تفرزها حضارات الغرب بحجة التطور والمدنية بل عليهم ان يكونوا نماذج التضحية والفداء يتابعون كل أحداث أمتهم ويترصدون كل قضية ليكونوا على حذرٍ مما يجري من حولهم متأهبين في الدفاع عن مبادئهم وتحت رأي مراجعهم ليشخصوا لهم تكليفهم ويتأهبوا لنصرة عقيدتهم.

ولا ننسى ما للمرأة من دورٍ فعّال في رسم المسار الناضج والرشيد لأبنائها، فبامكانها أن تُشارك في توجيههم وحثهم لبناء مجتمعهم وللدفاع عن مبادئهم وقيمهم وامكانية النهوض بمستوى وعيهم ورشدهم كما قرأنا عن مواقف نساء الطف اللواتي قدّمن أروع الأمثلة في الجهاد والدفاع عن المبدأ.

وهكذا فإن أصحاب الحسين قدوة وعبرةً حتى شهد الإمام(ع) لهم بقوله: (اما بعد فاني لا أعلم اصحاباً أولى ولا خيراً من أصحابي ولا أهل بيت أبر ولا أوصل من أهل بيتي فجزاكم الله عني جميعاً).

الثلاثاء، 14 يونيو 2011

الإمام الحسين كـ" والد "


نظراً للدور الأبوي الفعال في نشأة الشخص ، بدءاً من كونه نطفة ، ومروراً بمراحل التكوين ، حتى الولادة فـ التربية والتهذيب  ، لإمام سبط الرسول الحسين بن علي صلوات الله عليهم .. كلنا يعرفه ، وكلنا يجهله ، نعرفه بالاسم وببعض الأمور ، ونجهل حقيقته الكاملة . 
هذا الأب العظيم من شأنه - دونما جدال - أن ينجب ذرية إنما هي نوراً ونبراساً للأمة ، فهو القائد والقدوة ، وعليه فلا نستكثر ذلك على الإمام إنجاب القادة ورجال العقيدة ، وهو الإمام الذي تمكن من أن يصون شعوب الإسلام ، ويحفظ الأُمة العملاقة مع دينها ومبادئها الخلاّقة .
ذلك هو الوالد والأب والمربي الصارم القويّ ، معلم الأُمة ، الذي أنجب للانعتاق والتحرير طاقات نورٍ متمثلةٍ بالشخصيات المضيئة التي اخترقت أستار الظلام عبر عصور الظلم والاضطهاد ووسط تفاقم الأوضاع
أخذ الإمام الحسين عن جدهِ ((مدينة العلم)) ثروة من العلم والحكمة ، وثروة من السمات البالغة في السمو ، وأخذ الإمام الحسين عن أبيه ((باب مدينة العلم)) وافر العلوم والامتيازات ، أبوه أمير المؤمنين عليّ الذي ارتشف من نفس منهل النبي صلى الله عليه وعليهم أجمعين ، وراح الحسين بدوره يوزع ما عنده دون أن ينقص مخزونه أو ينضب ويفيض بما لديه على أولاده الأطهار والتابعين له بـإحسان .
كان الحسين رحيماً ورحمة للمؤمنين ؛ وأولاده صلوات الله عليهم يشاطرونه تلك السمة ، كان الحسين قاسياً على الكافرين والمنحرفين ؛ فكانوا أبناءه حليفو أباهم ؛ صارمين لا يلينون ، وكان الحسين ثائراً يأبى الضيم عزيز النفس ؛ وأبناءه مثله شديدو التمسك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
ولو أن رجالاً وشباباً عاشوا مع الحسين (عليه السلام) بعض الوقت وبعض العمر لما انفكوا عن تأثيره الرسالي الخطير ، فكيف يكون تأثر أبناءه به إذاً والذين هم من صلبه الطاهر ؟ (ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ)
إن الحديث عن الإمام صلوات الله عليه لا يعدّ محاولة هينة ويسيرة بناءً على أنه ليس شخصاً عادياً يصح عنه الكلام كيفما اتفق الكلام ، وإنما هو شخص امتزجت فيه المبادئ، فجسدها عملاً على أرض الواقع ، انه صاحب رسالة وسيد قضية .. رسالة ممتدة من رسالة جده الرسول الأعظم ، وبرعم من شجرة جده النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) .

الاثنين، 17 يناير 2011

ما المقصود بـ (الوتر الموتور) في الزيارة

ما المقصود بـ (الوتر الموتور) في زيارة الإمام الحسين (عليه السلام)؟ الشيخ محمد صنقور

يُطلق لفظ الوتر ويُراد منه الفرد، فحينما يقال عن الله تعالى انَه وتر، فمعناه أنَه فرد واحد، ليس له شريك ولا مثيل ولا شبيه له في صفاته العليا وأسمائه الحسنى.
ومعنى انَ الحسين (عليه السلام) وتر، هو أنَه بقي وحيداً فريداً ليس معه من أحدٍ يذبُ عنه وينتصر له، في عسكرٍ يناهز عدده الثلاثين ألفاً ليس فيهم إلا من هو غشوم ظلوم، يودُ لو قُطِّع الحسين (عليه السلام) أوصالاً، ثم كان منهم ما أمَلوا.

أو انَ المراد من كونه (عليه السلام) وتراً هو أنَه لا شبيه ولا نظير له فيما كان قد وقع عليه، فهو وحده في تاريخ الرسالات الذي اجتمعت عليه كلُ تلك العظائم، لذلك فشهادته التي حظيَ بها ليس لها من نظير ولم تتفق لواحدٍ من الأنبياء أو الأوصياء، فليس من أحدٍ في تاريخ الإنسان قد تظافر على قتله ثلاثون ألف رجلٍ مجتمعين، وهو وحده في وسطهم ليس له من ظهيرٍ ولا نصير، فهو وتر لا شبيه له.

ويُطلق لفظ الوتر ويراد منه الظلامة في الدم، وعليه فإنَ وصف الإمام الحسين (عليه السلام) بالوتر مبنيٌ على حذف المضاف، فالحسين وتر أي انَه صاحب الوتر وانَه صاحب الظلامة، وإنما حُذف المضاف لغرض التعبير عن انَ الظلامة التي وقعت على الحسين (صلوات الله عليه) بلغت حداً حتى كأنَه صار عين الظلامة، وذلك لفظاعة ما كان قد وقع عليه من ظلم.

فـ نعـت الحسين (عليه السلام) بالوتر رغم انَ لفظ الوتر مصدر كنعت عليٍ بالعدل رغم انَه مصدر، فيقال: عليٌ عَدلٌ، بمعنى انَه بلغ عدله حداً حتى صار كأنَه هو العدل بعينه والعدل هو.

وقد يُطلق الوتر ويُراد منه الثأر، فيكون المراد من وصف الإمام الحسين (عليه السلام) بالوتر هو انَه صاحب الوتر، أي صاحب الثأر، أي المستحق لأن يثأر له.

وقد ورد في بعض الزيارات المأثورة : "السلام عليك يا وتر الله الموتور"، أي ثأر الله (جلَ وعلا)، فهو الذي يثأر اللهُ تعالى له أو الذي كان الثأر له ثأر لله (جلَ وعلا).

والمراد من الموتور لغةً : هو مَن قُتل حميمُه أو أحد أقربائه، فلم يأخذ بثأره من القاتل، فالقاتل واتر، ومَن قُتل حميمه أو ولده موتور.

وقد كان الحسين (عليه السلام) موتورًا قبل انْ يُقتل، حيث قُتلت أولاده وأولاد أخيه وبنو عمومته أمامه وعلى مرأىً منه، لذلك فهو موتور، لأنَ أولاده قد قُتلوا فلم يسعه أن يقتصَ ممَن قتلهم.

ثم إنَ وصف الحسين (عليه السلام) في الزيارة المأثورة بالموتور فيه إشعار بانحصار هذا النعت به دون غيره، كما هو مقتضى تعريف النعت بالألف واللام، والغرض من ذلك هو الإشارة إلى انَ أحقَ من وُصف بالموتور هو الإمام الحسين (صلوات الله عليه) .

الثلاثاء، 28 ديسمبر 2010

السبحه الحسينيه


السبحة هي سنة عن سيدتنا فاطمة الزهراء عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها أفضل الصلاة والسلام. و كانت هي أول من صنع سبحة حيث كانت سبحتها من خيط صوف معقود عليه ، فـ تديرها بيدها تكبر وتسبح ، إلى أن قتل الحمزة بن عبد المطلب رضوان الله تعالى عليه ، فاستعملت تربته وعملت منها التسابيح فاستعملها الناس ، فـ لما قتل الإمام الحسين عليه السلام عدل بـ الأمر إليه فـ استعملوا تربته
{  ثواب حمل السبحة الحسينية  }

عن الإمام المنتظر عليه السلام قال : " من نسي الذكر وفي يده سبحة من تربة الحسين عليه السلام كتب له أجره " وعن الإمام الصادق عليه السلام قال : " السبحة التي من قبر الإمام الحسين عليه السلام تسبح بيد الرجل من غير أن يسبح، و من أدار الحجر من تربة الحسين عليه السلام فاستغفر به مرة واحدة كتب الله له سبعين مرة وان امسك السبحة بيده ولم يسبح بها ففي كل حبة منها سبع مرات " ، و في رواية: " كان له بكل حبة أربعون حسنة "
لما ورد الامام الصادق عليه السلام العراق اجتمع الناس إليه فقالوا: يا مولانا تربة قبر الحسين شفاء من كل داء فـ هل هي امان من كل خوف؟ فـ قال : نعم إذا أراد أحدكم أن يكون آمنا من كل خوف فـ ليأخذ السبحة من تربته عليه السلام ويدعو بدعاء المبيت على الفراش ثلاث مرات ثم يقبلها ويضعها على عينه ويقول : " اللهم إني أسألك بحق هذه التربة وبحق صاحبها وبحق جده وبحق أبيه وبحق امه وبحق اخيه وبحق ولده الطاهرين ، أجعلها شفاءً من كل داء وأماناً من كل خوف وحفظاً من كل سوء" ، ثم يضعها في جيبه فإن فعل ذلك في الغداة فلا يزال في امان الله حتى العشاء وإن فعل في العشاء فلا يزال في امان الله حت الغداة

تفسير كلمات الأذان

الصدوق : حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الرحمن المروزي ، الحاكم المقري ، قال : حدثنا أبو عمرو محمد بن جعفر المقري الجرجاني ، قال : حدثنا أبو بكر محمد ابن الحسن الموصلي ببغداد ، قال : حدثنا أبو بكر محمد بن عاصم الطريفي ، قال : حدثنا أبو زيد عياش بن يزيد بن الحسن بن علي الكحال مولى زيد بن علي ، قال : أخبرني أبي يزيد بن الحسن ، قال : حدثني موسى بن جعفر ، عن أبيه جعفر بن محمد ، عن أبيه محمد بن علي ، عن أبيه علي بن الحسين ، عن أبيه الحسين بن علي ابن أبي طالب - عليهم السلام ، قال : كنا جلوسا في المسجد ، إذا صعد المؤذن المنارة ، فقال : الله أكبر الله أكبر ، فبكى أمير المؤمنين على بن أبي طالب - عليه السلام ، وبكينا ببكائه ، فلما فرغ المؤذن . قال : أتدرون ما يقول المؤذن ؟ قلنا : الله ورسوله ووصيه أعلم ، فقال : لو تعلمون ما يقول لضحكتم قليلا ، ولبكيتم كثيرا .. فـ لقوله : الله أكبر ؛ معان كثيرة منها : أن قول المؤذن : الله أكبر ؛ يقع على قدمه ، وأزليته ، وأبديته ، وعلمه ، وقوته ، وقدرته ، وحلمه ، وكرمه ، وجوده ، وعطائه ، وكبريائه

فـ إذا قال المؤذن : الله أكبر ، فـ إنه يقول : الله الذي له الخلق والأمر ، وبمشيته كان الخلق ، ومنه كان كل شيء للخلق ، وإليه يرجع الخلق ، وهو الأول قبل كل شيء لم يزل ، والآخر بعد كل شيء لا يزال ، والظاهر فوق كل شيء لا يدرك ، والباطن دون كل شيء لا يحد ، فهو الباقي ، وكل شيء دونه فان

والمعنى الثاني : الله أكبر أي : العليم الخبير ، علم ما كان وما يكون قبل أن يكون

والثالث : الله أكبر أي : القادر على كل شيء ، يقدر على ما يشاء ، القوى لقدرته ، المقتدر على خلقه ، القوى لذاته ، قدرته قائمة على الأشياء كلها ، " إذا أراد أمرا فإنما يقول له كن فيكون "

والرابع : الله أكبر يدل على معنى حلمه ، وكرمه ، يحلم كأنه لا يعلم ، ويصفح كأنه لا يرى ، ويستر كأنه لا يعصى ، لا يعجل بالعقوبة كرماً ، وصفحاً ، وحلماً

والوجه الآخر في معنى الله أكبر : أي الجواد ، جزيل العطاء ، كريم الفعال

والوجه الآخر : الله أكبر فيه نفي كيفيته ، كأنه يقول : الله أجل من أن يدرك الواصفون قدر صفته ، التي هو موصوف بها ، وإنما يصفه الواصفون على قدرهم ، لا على قدر عظمته وجلاله ، تعالى الله عن أن يدرك الواصفون صفته علواً كبيراً

والوجه الآخر : الله أكبر كأنه يقول : الله أعلى وأجل ، وهو الغنى عن عباده ، لا حاجة به إلى أعمالهم

وأما قوله : أشهد أن لا إله إلا الله : فـ إعلام بـ أن الشهادة لا تجوز إلا بمعرفة من القلب ، كأنه يقول : أعلم أنه لا معبود إلا الله عزوجل ، وأن كل معبود باطل سوى الله عزوجل ، وأقر بـ لساني بما في قلبي من العلم ، بأنه لا إله إلا الله ، وأشهد أنه لا ملجأ من الله عزوجل إلا إليه ، ولا منجى من شر كل ذي شر ، وفتنة كل ذي فتنة إلا بالله

وفي المرة الثانية : أشهد أن لا إله إلا الله ، معناه أشهد أن لا هادي إلا الله ، ولا دليل لي إلا الله ، وأشهد الله بأني أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد سكان السماوات ، وسكان الأرضين ، وما فيهن من الملائكة والناس أجمعين ، وما فيهن من الجبال ، والأشجار ، والدواب ، والوحوش ، وكل رطب ويابس ، بأني أشهد أن لا خالق إلا الله ، ولا رازق ، ولا معبود ، ولا ضار ، ولا نافع ، ولا قابض ، ولا باسط ولا معطي ، ولا مانع ، ولا دافع ، ولا ناصح ، ولا كافي ، ولا شافي ، ولا مقدم ، ولا مؤخر إلا الله ، له الخلق والأمر ، وبيده الخير كله ، تبارك الله رب العالمين

وأما قوله : أشهد أن محمداً رسول الله ، يقول : أشهد الله أني أشهد أن لا إله إلا هو ، وأن محمدا عبده ورسوله ، ونبيه ، وصفيه ونجيه ، أرسله إلى كافة الناس أجمعين بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ، وأشهد من في السماوات والأرض من النبيين والمرسلين ، والملائكة والناس أجمعين أني أشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله سيد الأولين والآخرين

وفي المرة الثانية : أشهد أن محمداً رسول الله ، يقول : أشهد أن لا حاجة لأحد إلى أحد إلا إلى الله الواحد القهار مفتقرة إليه سبحانه ، وأنه الغنى عن عباده والخلائق أجمعين ، وأنه أرسل محمدا إلى الناس بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ، فمن أنكره وجحده ، ولم يؤمن به أدخله الله عزوجل نار جهنم خالدا مخلدا ، لا ينفك عنها أبدا

وأما قوله : حي على الصلاة أي : هلموا إلى خير أعمالكم ، ودعوة ربكم ، وسارعوا إلى مغفرة من ربكم ، وإطفاء ناركم التي أوقدتموها على ظهوركم ، وفكاك رقابكم التي رهنتموها بذنوبكم ليكفر الله عنكم سيئاتكم ويغفر لكم ذنوبكم ، ويبدل سيئاتكم حسنات ، فإنه ملك كريم ، ذو الفضل العظيم ، وقد أذن لنا معاشر المسلمين بالدخول في خدمته ، والتقدم إلى بين يديه

وفي المرة الثانية : حي على الصلاة أي : قوموا إلى مناجاة ربكم وعرض حاجاتكم على ربكم ، وتوسلوا إليه بكلامه ، وتشفعوا به ، وأكثروا الذكر والقنوت ، والركوع والسجود ، والخضوع والخشوع ، وارفعوا إليه حوائجكم ، فقد أذن لنا في ذلك

وأما قوله : حي على الفلاح ، فإنه يقول : أقبلوا إلى بقاء لا فناء معه ، ونجاة لا هلاك معها ، وتعالوا إلى حياة لا مماة معها ، وإلى نعيم لا نفاد له ، وإلى ملك لا زوال عنه ، وإلى سرور لا حزن معه ، وإلى أنس لا وحشة معه ، وإلى نور لا ظلمة معه ، وإلى سعة لا ضيق معها ، وإلى بهجة لا انقطاع لها ، وإلى غنى لا فاقة معه ، وإلى صحة لا سقم معها ، وإلى عز لا ذل معه ، وإلى قوة لا ضعف معها ، وإلى كرامة يا لها من كرامة ، وعجلوا إلى سرور الدنيا والعقبى ، ونجاة الآخرة والأولى

وفي المرة الثانية : حي على الفلاح ، فإنه يقول : سابقوا إلى ما دعوتكم إليه ، وإلى جزيل الكرامة ، وعظيم المنة ، وسني النعمة ، والفوز العظيم ، ونعيم الأبد ، في جوار محمد - صلى الله عليه وآله ، في مقعد صدق عند مليك مقتدر

وأما قوله : الله أكبر ، فإنه يقول : الله أعلى وأجل من أن يعلم أحد من خلقه ، ما عنده من الكرامة لعبد أجابه وأطاعه ، وأطاع ولاة أمره ، وعرفه وعبده ، واشتغل به وبذكره ، وأحبه وأنس به ، واطمأن إليه ووثق به ، وخافه ورجاه ، واشتاق إليه ، ووافقه في حكمه وقضائه ، ورضي به

وفي المرة الثانية : الله أكبر ، فإنه يقول : الله أكبر وأعلى وأجل من أن يعلم أحد مبلغ كرامته لأوليائه ، وعقوبته لأعدائه ، ومبلغ عفوه وغفرانه ونعمته لمن أجابه وأجاب رسوله ، ومبلغ عذابه ونكاله وهوانه لمن أنكره وجحده

وأما قوله : لا إله إلا الله ، معناه : لله الحجة البالغة عليهم ، بالرسل والرسالة ، والبيان والدعوة ، وهو أجل من أن يكون لأحد منهم عليه حجة ، فمن أجابه فله النور والكرامة ، ومن أنكره فإن الله غنى عن العالمين ، وهو أسرع الحاسبين

ومعنى قد قامت الصلاة في الإقامة أي : حان وقت الزيارة والمناجاة ، وقضاء الحوائج ، ودرك المنى ، والوصول إلى الله عزوجل ، وإلى كرامته ، وغفرانه وعفوه ورضوانه
  
قال الصدوق : إنما ترك الراوي لهذا الحديث ذكر حي على خير العمل للتقية ، وقد روي في خبر آخر أن الصادق - عليه السلام سئل عن معنى حي على خير العمل ، فقال : خير العمل الولاية . وفي خبر آخر : خير العمل : بر فاطمة وولدها

تفسير الإمام الحسين (ع) لأصوات الحيوانات

على ما روى ابراهيم بن الحارث التيمي عن الحسين (عليه السلام) أنه قال :


إذا صاح النسر فإنه يقول : يا بن آدم عش ما شئت فـ آخره الموت


إذا صاح الطاووس يقول : مولاي ظلمت نفسي واغتررت بزينتي فاغفر لي


إذا صاح الدراج يقول : الرحمن على العرش استوى


إذا صاح الديك يقول : من عرف الله لم ينس ذكره


إذا قرقرت الدجاجة تقول : يا اله الحق انت الحق وقولك الحق يا الله يا حق


إذا صاحت البومة تقول : البعد من الناس آنس


إذا صاح الغراب يقول : يا رازق أبعث بالرزق الحلال


إذا صاح اللقلق يقول : من تخلى من الناس نجى من أذاهم


إذا صاحت البطة تقول : غفرانك يا الله غفرانك


إذا صاح الهدهد يقول : ما اشقى من عصى الله


إذا صاح الببغاء يقول : من ذكر ربه غفر ذنبه


إذا صاح العصفور يقول : استغفر الله مما يسخط الله


إذا صاح البلبل يقول : لا اله الا الله حقاً حقاً


إذا صاحت النعامة تقول : لا معبود سوى الله



إذا صاحت الزرافة تقول : لا اله الا الله وحده


إذا صاح الحمل يقول : كفى بالموت واعضاً


إذا صاح الجدي يقول : عاجلني الموت فقل ذنبي


إذا زأر الأسد يقول : أمر الله مهم مهم


إذا صاح الثور يقول : مهلا مهلا يا بن آدم انت بين يدي من يرى ولا يُرى وهو الله



إذا صاح الفيل يقول : لا يغني عن الموت قوة ولا حيلة



إذا صاح الفهد يقول : يا عزيز يا جبار يا متكبر يا الله



إذا صاح الجمل يقول : سبحان مذل الجبارين سبحانه



إذا صهل الفرس يقول : سبحان ربنا سبحانه


إذا صاح الذئب يقول : ما حفظ الله فلن يضيع أبداً


إذا صاح أبن آوى يقول : الويل الويل الويل للمذنب المصر



إذا صاح الكلب يقول : كفى بالمعاصي ذلاً



إذا صاح الأرنب يقول : لا تهلكني يا الله لك الحمد



إذا صاح الثعلب يقول : الدنيا دار غرور


إذا صاح الغزال يقول : نجني من الأذى



إذا صاح الكركدن يقول : اغثني وإلا هلكتُ يا مولاي


إذا صاح الأيل يقول : حسبي الله ونعم الوكيل حسبي



إذا صاح النمر يقول : سبحان من تعزز بالقدرة سبحانه


إذا سبحت الحية تقول : ما أشقى من عصاك يا رحمن


إذا سبحت العقرب تقول : الشر شيء وحش


ثم قال "عليه الصلاة والسلام" : ما خلق الله من شيء إلا وله تسبيح يحمد به ربه
(واحــة الـخـلـد :4563)

الاثنين، 27 ديسمبر 2010

مقتل الإمام الحسين/عليه السلام


{ الـمـقـتـل }

لما أصبح الحسين يوم عاشوراء وصلّی بـ أصحابه صلاة الصبح قام خطيباً فيهم، حمد الله وأثنی عليه، ثم قال إن الله سبحانه وتعالی قد أذن فی قتلکم و قتلي فی هذا اليوم فـ عليکم بـ الصبر والقتال ثم صفّهم للحرب وکانوا 77 ما بين فارس وراجل فـ جعل ( زهيربن القين ) في الميمنه و ( حبيب ابن مظاهر ) في الميسره وأعطی رأيته ( أخاه العباس ) وثبتاه وعليه السلام وأهل بيته في القلب وأقبل عمر ابن سعد نحو الحسين فی صلاته ألفا وعلی الميمنه عمرو ابن الحجاج الـزبـيـدي وعـلی الميسره شمر ابن ذو الجوشن وعلی الخـيـل عـزره بن قيس وعلی الرجاله شبث بن ربعي والرايه مع ذويـد مـولاه واقـبـلوا يجولون حول البيوت فـ يـرون النار تضطرم فی الخندق فـ نادی شمر بـ أعلی صوته: يا حسين تعجلت بـ النار قبل يوم القيامه فـ قال الحسين : من هـذا کأنـه شمر ابن ذي الجوشن قـيـل نعم : فـ قال له : يا بن راعيه المعـزی أنت أولی بها مني صيليا، ورام مسلم ابن عوسجه إن يرميه بسهم فـ منعه الحسين وقـال أکره ان أبداهم بـ قتال ولما نظر الحسين إلی جمعهم کـ أنه السيل رفع يديه بالـ دعاء وقال : اللهم أنت ثقتي في کل کرب ورجائي في کل شدة وأنت لي في کل أمر نزل به ثقة وعّدة کم من هم يضعف فيه الفؤاد وتقل فيه الحيله ويخذل فيه الصديق ويشمت فيه العدو انزلته بك وشکوته إليک رغبة مني اليک عمن سواک فکشفته وفرجته فأنت ولي کل نعمة ومنتهی کل رغبة ثم دعا براحلته فرکبها ونادی بصوت عال يسمعه جلهم أيها الناس اسمعوا قولي و لا تعجلوا حتی اعظکم بما هو حق لکم عليّ وحتی اعتذر إليکم من مقدمي عليکم فإن قبلتم عذري وصدّقتم قولي و أعطيتموني النصف من أنفسکم کنتم بذلک اسعد ولم يکن لکم عليّ سبيل و ان لن تقـبلوا مني العذرولم تعطوا النصف من انفسکم فأجمعوا أمرکم وشرکائکم ثم لا يکن امرکم عليکم غمّة ثم اقضوا اليّ ولا تنظرون ان وليّ الله الذي نزل الکتاب وهو يتولی الصالحين فلما سمعن النساء هذا منه صحن وبکين وارتفعت اصواتهنّ فأرسل إليه ان أخاه العباس وابنه علياً الأکبر وقال لهما إسكتاهن فلعمري لـ يكثر بكاؤهن ولـمـا سكتن حمد الله وأثنی عليه وصلّی علی محمد وعلی الملائکة و قال في ذلک ما لايحصی ذکره ولم يسمع متکلم قبله ولا بعده ابلغ منه في منطقه ثم قال: ( الحمد لله الذي خلق الدنيا فجعلها دار فناء وزوال متصرفة بأهلها حال بعد حال فالمغرور من غرته والشقي من فتنته فلا تغّرنکم هذه الدنيا فانها تقطع رجاء من رکن اليها وتخيّب طمع من طمع فيها وأراکم قد أجتمعتم علی أمرٍ قد أسخطتم الله فيه عليکم واعرض بوجهه الکريم عنکم واحّل بکم نقمته وجنبّکم رحمته فنعم الربّ ربّنا وبئس العبيد انتم أقررتم بالطاعة وآمنتم بالرسول محمد (صلّی الله عليه وآله وسلم) ثم انکم ذهبتم الی ذريته وعترته تريدون قتلهم لقد أستحوذ عليکم الشيطان فأنساکم ذکر الله العظيم فتّباً لکم ولما تريدون إنا لله وإنا اليه راجعون هؤلاء قوم کفروا بعد إيمانهم فبعداً للقوم الظالمين إيها الناس انسبوني من أنا ثم ارجعوا الی أنفسکم وعاتبوها وانظروا هل يحلّ لکم قتلي وانتهاک حرمتي ألست ابن بنت نبيکم وابن وصيه وابن عمه وأول المؤمنين بـ الله والمصدّق لـ رسوله بما جاء من عند ربه ؟ أوليس ( حمزه سيد الشهداء ) عم أبي ؟ أوليس ( جعفرالطيار ) عمي؟ أو لم يبلغکم قول رسول الله لي ولـ أخي ( هذاني سيدا شباب اهل الجنه ) فإن صدّقتموني بما أقول وهو الحق والله ما تعمّدت الکذب منذ علمت أن الله يمقت عليه أهله ويضرّ به من اختلقه وإن کذّبتموني فإن فيکم من إن سألتموه عن ذلک أخبرکم سلوا ( جابر ابن عبد الله الانصاري ) و( أبا سعيد الخدري ) و( سهل ابن سعد الساعدی ) و( زيد ابن أرقم ) و( أنس ابن مالک ) يخبروکم أنهم سمعوا هذه المقاله من رسول الله لي ولأخي اما في هذا حاجز لکم عن سفک دمي؟ فقال الشمر هو يعبد الله علی حرف ان کان يدري ما تقول فقال له ( حبيب ابن مظاهر) والله إني أراک تعبد الله علی سبعين حرفاً وانا أشهد أنک صادق ما تدري ما يقول قد طبع الله علی قلبک ثم قال الحسين فأن کنتم في شک من هذا القول افتشکون اني ابن بنت نبيکم فوالله مابين المشرق والمغرب ابن بنت نبيا غيري فيکم ولا في غيرکم ويحکم اتطلبوني بقتيل منکم قتلته ! او ما لکم استهلکته أو بقصاص جراحه فاخذوا لايکلمونه فنادی ( يا شبث ابن ربعي وياحجار ابن ابجر وياقيس ابن الاشعث ويا زيد ابن الحارث ) ألم تکتبوا إليّ ان اقدم قد اينعت الثمار واخضّر الجناب وانما تقدم علی جند لک مجنده فقالوا لم نفعل قال :سبحان الله ما والله لقد فعلتم ثم قال إيها الناس إذا کرهتموني فدعوني انصرف عنکم الی مأمن من الارض فقال له قيس ابن الاشعث أولا تنزل علی حکم بني عمّک فانهم لن يروک الا ما تحب ولن يصل اليک منهم مکروه فقال الحسين انت اخو اخيک اتريد ان يطلبک بنو هاشم اکثر من دم مسلم ابن عقيل لا والله لا اعطيها لااعطيهم بيدي اعطاء الذليل ولا افر فرار العبيد عباد الله انی عذت بربي وربکم ان ترجمون أعوذ بربي وربکم من کل متکبر لا يؤمن بيوم الحساب ثم أناخ راحلته وامر عقبة بن سمعان فعقلها (لم ارسو إسخاط فيهم خاطبا فاذاهم لايملکون خطاباً يدعو ألست انا أبن بنت نبيکم ومذهبکم ان صرف دهرٍ لاباً هل جئت بدين النبي ببدعة ام كنت في احكامه مرتاباً أم لم يوصّي بنا النبي اودعاً فقد أهلّ فيكم عترة وكتاباً ان لم تجيئوا بالمعاد فراجعوا أكتابكم إن كنتم أعراباً فغدوا حياری لايرون لوعظه الا الا تمة والسهام جواباً) واقبل قوم يزحفون نحوه وكان فيهم عبد الله ابن حوزة التميمي فصاح افيكم حسين؟ وفي الثالثة قال اصحاب الحسين: هذا الحسين فما تريد قال ياحسين ابشر بالنار قال الحسين كذبت بل اقدم علی رب غفور كريم مطاع شفيع فمن أنت قال أبن حوزة فرفع الحسين يديه حتی بان بياض أبطيه وقال اللهم حزه الی النار فغضب ابن حوزة واقحم الفرس اليه وكان بينهما نهر فعلقت قدمه بالركاب وجالت به الفرس فسقط عنها وانقطعت قدمه وساقه وفخذه وبقي جانبه الاخر معلقا بالركاب واخذت الفرس تضرب به كل حجر وشجر حتی هلك قال مسروق بن وائل الحضرمي كنت في أول الخيل الذي تقدمت لحرب الحسين لعلي ان أصيب رأس الحسين فاحظی به عند ابن زياد فلما رأيت ما صنع بـ ابن حوزة عرفت أن لـ أهل هذا البيت حرمة ومنزلة عند الله وتركت الناس وقلت لا اقاتلهم فاكون في النار وخرج اليهم زهير ابن القين علی فرس ذنوب شاك في السلاح فقال يا اهل الكوفه نذار لكم من عذاب الله نذار حقاً علی المسلم نصيحة اخيه المسلم ونحن حتي الآن أخوة علی دين واحد مالم يقع بيننا وبينكم السيف وأنتم للنصيحة منا أهل فاذا وقع السيف انقطعت العصمة وكنا امة و انتم امة ان الله ابتلانا واياكم بذرية نبيه محمد لينظر ما نحن وأنتم عاملون إنا ندعوكم الی نصرهم وخذلان الطاغية يزيد وعبيد الله ابن زياد فانكم لاتدركون منهما إلاسوء عمرسلطانهما كله ليسملان أعينكم ويقطعان أيديكم وأرجلكم ويمثلان بكم ويرفعانكم علی جذوع النخل ويقتلان أماثلكم وقرائكم أمثال حجر بن عدي وأصحابه وهاني ابن عروة واشباهه فسبّوه واثنوا علی عبيد الله ابن زياد ودعوا له وقالوا:لانبرح حتي نقتل صاحبك ومن معه او نبعث به وبأصحابه الی عبيد الله أ بن زياد سلما فقال زهير:عباد الله ان ولد فاطمة أحق بالود والنصر من ابن سمية فان لن تنصروهم فأعيذكم بالله ان تقتلوهم فخلوا بين هذا الرجل وبين يزيد فلعمري انه ليرضی من طاعتكم بدون قتل الحسين فرماه الشمر بسهم وقال: اسكت اسكت الله نأمتك ابرمتنا بكثرة كلامك فقال زهير: يابن البوال علي عقبيه ما أياك اخاطب إنما أنت بهيمة والله ما أظنك تحكم من كتاب الله آيتين فأبشر بالخزي يوم القيامة والعذاب الاليم فقال الشمر:ان الله قاتلك وصاحبك عن ساعة فقال زهير:افبالموت تخوفني؟ فوالله للموت معه أحب أليّ من الخلد معكم ثم اقبل علی القوم رافعاً صوت وقال عباد الله لايغّرنكم عن دينكم هذا الجلف الجافي وأشباهه فوالله لاتنال شفاعة محمد قوماً هرقوا دماء ذريته وأهل بيته وقتلوا من نصرهم وذب عن حريمهم فناداه رجل من اصحابه ان أبا عبد الله يقول لك أقبل فلعمري لئن كان مؤمن آل فرعون نصح لقومه وابلغ في الدعاء فلقد نصحت هؤلاء وأبلغت لو نفع النصح والأبلاغ واستأذن الحسين برير بن خضير في ان يكلم القوم فأذن له وكان شيخا تابعياً ناكساً قارئ للقرآن ومن شيوخ القراء في جامع الكوفة وله في الهمدانيين شرف وقدر وجلالة فوقف قريب منهم ونادی يا معشر الناس ان الله بعث محمداً بشيراً ونذيراً وداعياً الی الله وسراجاً منيراً وهذا ماء الفرات تقع فيه خنازير السواد وكلابه وقد حيل بينه وبين ابن بنت رسول الله افجزاء محمدٍ هذا فقالوا يا برير قد اكثرت الكلام فاكفف عنا فوالله ليعطش الحسين كما عطش من كان قبله قال يا قوم أن ثقل محمد قد اصبح بين أظهركم وهؤلاء ذريته وعترته وبناته وحرمه فهاتوا ماعندكم وما الذي تريدون ان تصنعوه بهم فقالوا نريد ان نمكنّ منكم الامير عبيد الله ابن زياد فيری فيهم رأيه قال افلا تقبلون منهم أن يرجعوا الی المكان الذي جاؤا منه ويلكم يا أهل الكوفه انسيتم كتبكم وعهودكم التي أعطيتموها واشهدتم الله عليها وعليكم ؟ ويلكم ادعوتم اهل بيت نبيكم وزعمتم أنكم تقتلون انفسكم دونهم حتي اذا أتوكم أسلمتموهم الی ابن زياد وحلأتموهم عن ماء الفرات بئسما خلفتم نبيكم في ذريته مالكم لا سقاكم الله يوم القيامة فبئس القوم انتم فقال له نفر منهم يا هذا ماندري ماتقول قال الحمد لله الذي زادني فيكم بصيرة اللهم اني ابرأ اليه من فعال هؤلاء القوم اللهم القي بأسهم بينهم حتي يلقوك وانت عليهم غضبان فجعل القوم يرمونه بالسهام فتقهقر الی وراء ثم ان الحسين ركب فرسه واخذ مصحفا ونشره علي رأسه ووقف بأزاء القوم وقال ياقوم ان بيني وبينكم كتاب الله وسُنّة جدّي رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم ثم استشهدهم عن نفسه المقّدسة وما عليه من سيف النبي وجذعه وعمامته فأجابوه بالتصديق فسألهم عما اقدمهم علی قتله قالوا طاعة للامير عبيد الله ابن زياد فقال عليه السلام:تّباً لكم ايتها الجماعة وترحا أحين اسْتَصْرَخْتُمُونَا وَالِهِينَ ، فأصرخناكم موجفين سللتم علينا سيف لنا في ايمانكم وحششتم علينا نارا اقتدحناها علی عدونا وعدوكم فأصبحتم ألباً لأعدائكم علی اوليائكم بغير عدل أفشوه فيكم ولاأمل أصبح لكم فيهم فهلاّ لكم الويلات تركتمونا والسيف مشيم والجأش طامن والرأي لما يستصحف ولكن اسرعتم اليها كطيرة الدبا وتداعيتم عليها كتاهفت الفراش ثم نقضتموها فسحقاً لكم يا عبيد ألامه وشذاذ الاحزاب ونبذة الكتاب ومحرفي الكلم وعصبة ألاثم ونفثة الشيطان ومطفئ السنن ويحكم أهؤلاء تعضدون وعنا تتخاذلون أجل والله غدرفيكم قديم وَشَجَتْ إليه أُصُولُكُمْ وتأزرت فروعكم فكنتم اخبث ثمر شجاً للناظر وَأُكْلَةً لِلْغَاصِبِ الا وان الدعي ابن الدعي يعني ابن زياد قد ركز بين اثنتين بين السّلة والذلة وهيهات منا الذلة يأبي الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون وحجور طابت وحجور طهرت وأنوف حمية ونفوس أبيه من ان نؤثر طاعة اللئام علی مصارع الكرام ألا وأني زاحف بهذه ألاسرة علی قلة العدد وخذلان الناصر ثم اشجد أبيات فروة فأن نهزم فهزّامون قدماً وإن نهزم فغير مهزّمينا وما ان ّطِبُنا جِبٌن ولكن منايانا ودولة آخرينا فقل للشامتين بنا افيقوا سيلقی الشامتون كما لقينا أما الله لا تلبثون بعدها إلا كريثما يركب الفرس حتی تدور بكم دور الرحی وتقلق بكم قلق المحور عهٌد عهده أليّ أبي عن جدي رسول الله صلّی الله عليه وآله وسلم فأرجعوا أمركم،
فأرجعوا أمركم وشركائكم ثم لا يكن أمركم عليكم غُمة ثم اقضوا أليّ ولا تُنظِرون أني توكلت علی الله ربي وربكم ما من دابه الاّهو اخذ بناصيتها أن ربي علی صراط مستقيم ثم رفع يديه وقال: اللهم أحبس عنهم قطر السماء وأبعث عليهم سنين كسنيي يوُسف وسـلّط عليهم غلام ثقيفِ يسقيهم كأساً مصبّرهً فأنّهم كذّبونا وخذلونا وأنت ربّنا عليك توكّلنا وأليك المصيروأستدعاهم ابن سعد فدُعي له وكان كارهاً لا يُحب أن يأتيه فقال أي عُمر أتزعمُ انك تقتلني ويوليك الدَعي بلاد الرَي وجرجان والله لا تتهنأ بذلك عهد معهود فأصنع ما أنت صانع فأنك لا تفرح بعدي بدنياً ولا آخرةوكأني برأسك علی قصبة يتراماه الصبيان بالكوفة ويتخذونه غرضاَ بينهم فصرف بوجهه عنه مغضباً ولّما سمع الحُر بن يزيد الرياحي كلام أبي عبد الله الحسين وأستغاثته أقبل علی عمر بن سعد وقال له : أمقاتلٌ أنت هذا الرجل قال: أي والله قتالا ًأيسره ان تسقط فيه الرؤوس وتطيح ألايدي قال مالكم فيما عرضه عليكم من الخِصال فقال لو كان الامر ألّي لقبلت ولكن أميرك أبن زياد يأبی ذلك فتركه ووقف مع الناس وكان الی جنبه قرّة بن قيس فقال لقرّة:هل سقيت فرسك فقال لا قال هل تريد أن تسقيه فظّن قُرةً من ذلك أنه يريد الأعتزال ويكره أن يشاهده أحد فتركه فأخذ الحُر يدنو من الحسين بن علي قليلاً قليلاً فقال له( المهاجر بن أوس) أتريد أن تحمل؟فسكت وأخذته الرعدة فأرتاب المهاجر من هذا الحال وقال له لو قيل لي من أشجع أهل الكوفة لما عدوتك فما هذا الذي أراه منك فقال الحُر أني أخيّر نفسي بين الجنّة والنّار والله لا أختارُ علی الجنة شيئاً ولو أُحرقت ثم ضَربَ جواده نحو الحسين بن علي مُنكساً برأسهِ حياءً من آل الرسول بما أتی أليهم وجعجع بهم في هذا المكان علی غير ماءٍ ولا كلا رافعاً صوته: اللهم أليك أُنيب فتُب علّي فقد أرعبت قلوب أوليائك وأولاد نبيك يا أبا عبد الله أنّي تائبٌ فهل تری لي من توبة ألهنا ونحن نتوب أليك في هذا المقام الكريم فقال الحسين: نعم يتوب الله عليك فسّره قول أبي عبد الله وتيّقن الحياه ألابدية والنعيم الدائم ووضح له قول الهاتف لما خرج من الكوفة فحدّث الحسين بحديثهِ قال فيه لما خرجت من الكوفة نوديتُ أبشر يا حُر بالجنة فقلت ويلٌ للحُر يبّشر بالجنة وهو يسير الی حرب بن رسول الله صلّی الله عليه وآله وسلّم فقال له الحسين: لقد أصبت خيراً وأجراً ثم أستأذن الحسين في أن يكلّم القوم فأذن له فنادی بأعلی صوته يا أهل الكوفه لأمكم الأمل والعبرأدعوتم هذا العبد الصالح وجعلتم أنكم قاتلوا انفسكم دونه حتی أذا جائكم أخذتم بكرمه وأحطتم به من كل جانبِ فمنعتموه التّوجه الی بلاد الله العريضة حتی يأمن وأهل بيته وأصبح كالأسير في أيديكم لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً وحلأتموه وصبيته ونسائه وصحبه عن ماء الفرات الجاري الذي يشربه اليهود والنصاری والمجوس وتتمرغ فيه خنازير السواد وكلابه وهاهم قد صرعهم العطش بئسما خلقتم محمداً في ذريته لا سقاكم الله يوم الظمأ فحملت عليه رّجالة ترميه بالنبل فتقهقر حتی وقف أمام الحسين أذ أن الحسين بن علي منع أصحابه وأهل بيته من أن يبدؤا القوم بقتال قط فلذلك تری ألاصحی في كل مقام وعظم وأرشاد وتوجيه يرشقون بالسهام أو يحمل عليهم أحد تراهم يتراجعون الی ورائهم أمتثالاً لأمر إمامهم وسيدهم أبي عبد الله الحسين إذ أنه مايريد أن يبدأ كل أحد بقتالٍ أبدا وصاح الشمر بأعلی صوته أين بنو أختنا أين العباس وأخوته فأعرضوا عنه فقال الحسين أجيبوه ولو كان فاسقاً قالوا ماشأنك وماتريد قال يا بني أختي أنتم آمنون فلا تقتلوا أنفسكم مع الحسين وإلزموا طاعة أميري أمير الفاسق يزيد فقال العّباس له: لعنك الله ولعن أمانك أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له وتأمرنا أن ندخل في طاعة اللعناء وأولاد اللعناء وتقدّم عمر بن سعد نحو عسكر الحسين ورمی بسهمٍ وقال أشهدوا لي عند ألامير بن زياد أني أوّل من رمی ثم رمی الناس فلم يبقی من أصحاب الحسين أحد إلا أصابه من سهامهم فقال عليه السلام لأصحابه قوموا رحمكم الله ألی الموت الذي لابد منه فأن هذه السهام رُسل القوم أليكم فحمل أصحابه حملة واحدة وأقتتلوا ساعةً فماجلت الغبره إلا عن خمسين صريعاً من أصحاب أبي عبد الله وخرج يسار مولی زياد وسالم مولی عبيد الله بن زياد فطلبا البراز فوثب حبيب وبُرير فلم يأذن لهما الحسين فقام عبد الله بن عُميرالكلبي من بني عليم او (عُليم) وكنيته ابو وهب وكان طويلاً شديد الساعدين بعيد مابين المنكبين شريفاً في قومه شجاعاً مجرباً وقال: أحسبه للأقران قتّالاً فقالا له من أنت فأنتسب لهما فقالا لانعرفك ليخرج الينا زهير أو حبيب أو بُريروكان يسار قريباً منه فقال له يأبن الزانية أو بك رغبه عن مبارزتي ثم جدّ عليه بسيفه يضربه وبينا هو مشتغل به إذ شّد عليه سالم فصاح أصحابه قد رهقك العبد فلم يعبأ به فضربه سالم بالسيف فاتقاها عبد الله بيده اليسری فأطار أصابعها ومال عليه عبد الله فقتله وأقبل الی الحسين يرتجز وقد قتلهما وأخذت ام وهب زوجته عموداً وأقبلت نحوه تقول فداك أبي وأمي قاتل دون الطيبين ذرية محمدٍ فأراد أن يردها ألی الخيمة فلم تطاوعه وأخذت تجاذبهه ثوبه وتقول لن ادعك دون أن أموت معك فقال لها آلان كنتي تنهيني عن القتال وآلان جئتي تقاتلين معي قالت لا تلمني أن واعية الحسين كسرت قلبي فقال مالذي سمعتي منه قالت سمعت بباب الخيمة ينادي (واا قلّتنا صرا) فنادی الحسين سيدي ابا عبد الله ردّها الی الخيمة فنادها الحسين جزيتم عن اهل بيت نبيكم خيرا أرجعي الی الخيمة فأنه ليس علی النساء قتال فرجعت ولما نظر من بقي من أصحاب الحسين الی كثرة من قُتل منهم أخذ الرجلان والثلاثة والأربعة يستأذنون الحسين في الذبّ عنه والدفع عن حرمه وكلٌ يحمي الآخر من كيد عدوه فخرج الجابريان وقاتلا في مكان واحد حتی قتلا وخرج الغفاريان فقالا للحسين: السلام عليك أبا عبد الله إنّا جئنا لنقتل بين يديك وندفع عنك فقال مرحباً بكما واستدناهما منه فدنوا وهما يبكيان قال ما يبكيكما يأبني أخي فوالله أني لأرجو أن تكونا بعد ساعةٍ قرير العين قالا جعلنا الله فداك ما علی أنفسنا نبكي ولكن نبكي عليك نراك قد أحيط بك ولا نقدر أن ننفعك فجزّاهما الحسين خيرا فقاتلا قريباً منه حتی قتلا وخرج (عمرو بن خالد الصيداوي وسعد مولاه وجابر بن الحارث ومجمع بن عبد الله العائذي) وشدّوا جميعاً علی أهل الكوفة فلما أوغلوا فيهم عطف عليهم الناس وقطعوهم عن أصحابهم فندب أليهم الحسين أخاه العبّاس فأستنقذهم بسيفه وقد جرحوا بأجمعهم وفي أثناء الطريق أقترب منهم العدو فشدّوا بأسيافهم مع مابهم من الجراح وقاتلوا حتی قتلوا في مكان واحد ولمّا نظر الحسين الی كثرة من قتل من أصحابه قبض علی شيبته المقّدسه وقال أشتدّ غضب الله علی اليهود أذ جعلوا له ولداً وأشتدّ غضبه علی النصاری إذ جعلوه ثالث ثلاثة واشتّد غضبه على المجوس إذ عبدوا الشمس والقمر دونه واشتّد غضبه على قوم اتّفقت كلمتهم على قتل ابن بنت نبيهم أما والله لا اجيبهم الى شيء مما يريدون حتى القى الله وأنا مخضّب بدمي ثم صاح : أما من مغيث يغيثنا ! أما من ذابٍ يذبُّ عن حرم رسول الله فـ بكت النساء وكثر صراخهن وسمع الانصاريان سعد بن الحارث واخوه أبو الحتوف استنصار الحسين واستغاثته وكانا مع ابن سعد ولما إن سمعا بكاء عياله فـ مالا بـ سيفيهما على أعداء الحسين قاتلا حتى قُتلا وأخذ أصحاب الحسين بعد ان قل عددهم وبان النقص فيهم يبرز الرجل بعد الرجل فأكثروا القتل في اهل الكوفة فصاح عمرو بن الحجاج بأصحابه : أتدرون من تـقـاتـلون ؟ تـقـاتـلـون فرسان المصر وأهـل البصائر وقوماً مستميتين لا يبرز اليهم أحد منكم إلا قتلوه على قلتهم والسبب في ذلك أنهم كانوا يقاتلون عن عقيدةٍ وإيمانا وأولئك كانوا يقاتلون في سبيل الماده والطمع فقال عمرو بن الحجاج:لو لم ترموهم إلا بالحجارة لقتلتموهم فقال عمر بن سعد:صدقت الرأي ما رأيت أرسل في الناس من يعزم عليهم ألا يبارزهم رجل منهم ولو خرجتم إليهم وحدانا لأتوا عليكم ثم حمل عمرو بن الحجاج على ميمنة الحسين فثبتوا له وجثوا على الركب وأشرعوا الرماح فلم تقدم الخيل فلما ذهبت الخيل لترجع رشقهم أصحاب الحسين بالنبل فصرعوا رجالاً وجرحوا آخرين ثم حمل عمروبن الحجاج من نحو الفرات فاقتتلوا ساعة وفيها قاتل مسلم ابن عوسجة فشّد عليه مسلم بن عبد الله وعبد الله البجلي وثارت لشدة الجلاد غبرة شديدة وما انجلت الغبرة إلا ومسلم ابن عوسجة صريعاً وبه رمق فمشى اليه الحسين ومعه حبيب بن مظاهر، فقال له الحسين : رحمك الله يا مسلم ،ثم تلا قوله تعالی( منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا) ، ودنا منه حبيب وقال: عزّ عليّ مصرعك يا مسلم أبشر بالجنة فقال مسلم ابن عوسجة بصوت ضعيف بشّرك الله بخير يا أخي يا حبيب ثم قال حبيب: لو لم أعلم أني في الاثر لأحببت أن توصي لي بجميع ما يهمك فقال مسلم: أوصيك بهذا وأشار الى الحسين بن علي أن تموت دونه فقال : أفعل ورب الكعبة وفاضت روحه بينهما ( وصلت يابن ظاهر منيتي أنا ما وصيك بعيالي وبيتي ولا تحفظ أولادي وثنيتي ان چان نيتك مثل نيتي اريدنّك تجاهد بثويتي بالحسين وعياله وصيتي ) وصاحت جارية له وامسلماه يا سيداه يا ابن عوسجتاه فتنادى أصحاب ابن الحجاج قتلنا مسلماً فقال شبث بن ربعي لمن حوله : ثكلتكم امهاتكم أيقُتل مثل مسلم وتفرحون! لرب موقفٍ له كريمٍ في المسلمين رأيته يوم «آذر بيجان» وقد قتل ستة من المشركين قبل تتام خيول المسلمين وحمل الشمر في جماعة من اصحابه على ميسرة الحسين فثبتوا لهم حتى كشفوهم وفيها قاتل عبد الله ابن عُمير الكلبي فقتل رجالاً وشّد عليهم هاني بن ثبيت الحضرمي فقطع يده اليمنى وقطع بكر بن حي ساقه فأُخذ أسيراً وقُتل صبراً فـ مشت إليه زوجته ام وهب وجلست عند رأسه تمسح الدم عنه وتقول : هنيئاً لك الجنة اسأل الله الذي رزقك الجنة ان يصحبني معك فـ قال الشمر لـ غلامه : اضرب رأسها بالعمود فشدخه وماتت مكانها وهي اول امرأة قُتلت يوم عاشوراء من اصحاب الحسين بن علي وقطع رأسه ورمي به الى جهة الحسين فأخذته أمه ومسحت الدم عنه ثم أخذت عمود خيمة وبرزت الى الأعداء فردّها الحسين وقال : ارجعي رحمك الله فقد وضع عنك الجهاد فرجعت وهي تقول : اللهم لا تقطع رجائي فـ قال الحسين: لا يقطع الله رجاكي وحمل الشمر حتى طعن فسطاط الحسين بالرمح وقال : عليّ بالنار لأُحرقه على أهله فتصايحت النساء وخرجن من الفسطاط وناداه الحسين : يا ابن ذي الجوشن انت تدعو بالنار لتحرق بيتي على أهلي أحرقك الله بالنار ! وقال له شبث بن ربعي : أمرعباً للنساء صرت ؟ ما رأيت مقـالاً أسوأ من مقالك ولا موقفاً أقبح من موقفك فـ استحيا وانصرف وحمل على جماعته زهير بن القين في عشرة من أصحابه حتى كشفوهم عن البيوت ولما رأى عزرة بن قيس وهو على الخيل الوهن في أصحابه والفشل كلما يحملون بعث إلى عمر بن سعد يستمّده الرجال فـ مدّه بالـ حصين بن نمير في خمسمائة من الرماة واشتّد القـتال وأكثر أصحاب الحسين فـيهم الجـراح حتى عـقـروا خيولهم وأرجـلـوهـم ولم يقـدروا أن يـأتوهم إلاّ من وجه واحد لـ تقارب ابنيتهم فـ أرسل ابن سعد الرجال لـ يقوضوها عن إيمانهم وعن شمائلهم لـ يحيطوا بهم فـ أخذ الثلاثة والأربعة من أصحاب الحسين يتخللون البيوت فـ يشدون على الرجل وهو ينهب فـ يقتلونه ويرمونه من قريب فـ يعقرونه فـ قال ابن سعد : أحرقوها بالنار فأضرموا فيها النار فصاحت النساء ودُهشت الأطفال فقال الحسين: دعوهم يحرقونها فانهم اذا فعلوا ذلك لم يجوزوا اليكم فكان كما قال عليه السلام وكان أبو الشعثاء الكندي وهو يزيد بن زياد رامياً فجثا على ركبتيه بين يدي الحسين ورمى بمئة سهم و الحسين يقول : اللهم سدّد رميته واجعل ثوابه الجنة ثم حمل على القوم فقتل تسعة عشرة رجلا ًوقُتل والتفت ابو ثمامة الصائدي الى الشمس فرأها وقد زالت فقال للحسين : نفسي لك الفداء إني أرى هؤلاء قد اقتربوا منك ، لا والله لا تُقتل حتى اقُتل دونك و احب أن القى الله وقد صلّيت هذه الصلاة التي دنا وقتها فرفع الحسين رأسه الى السماء وقال : ذكرت الصلاة جعلك الله من المصلين الذاكرين أنظروا أيها المسلمون دعا الحسين بن علي سلام الله عليه لهذا العبد الصالح بأعظم دعاءٍ وهو أن قال: ( جعلك الله من المصلين ) فـ مرّرروا أولادكم وعوّدوا بناتكم معاشر المسلمين علی الصلاة في دور الصغر فإن دور الصغر إذا صلّی الانسان فيه لا يسعه أن يترك الصلاة في الكبر وأن الصلاة تنهی عن الفحشاء والمنكر فـ قال الحسين : نعم هذا أول وقتها سلوهم أن يكفّوا عنّا حتى نصلّي فـ قال الحصين : أنها لا تُقبل فقال حبيب بن مظاهر : زعمت أنها لا تُقبل من آل الرسول وتُقبل منك يا حمار فـ حمل عليه الحصين فـ ضرب حبيب وجه فرسه بالسيف فشبت به ووقع عنه واستنقذه اصحابه فـ حملوه وقاتلهم حبيب قتالا شديداً فـ قتل على كبرسنهِ اثنين وستين رجلاً وحمل عليه بديل بن صريم فـ ضربه بـ سيفه وطعنه آخر من تميم بـ رمحه فـ وقع إلى الأرض فـ ذهب لـ يقوم وإذا بـ الحصين يضربه بـ السيف على رأسه فـ سقط لـ وجهه ونزل إليه التميمي واحتز رأسه فـ هز مقتله الحسين فـ قال :عند الله احتسب نفسي وحماة أصحابي واسترجع الحسين كثيراً وخرج من بعده الحر ابن يزيد الرياحي ومعه زهير بن القين يحمي ظهره فـ كان إذا شّد أحدهما واستلحم شّد الآخر واستنقذه ففعلا ساعةً وإن فرس الحر لـ مضروب على اُذنيه وحاجبيه و الدماء تسيل منه فـ برز إليهم وهو يرتجز ويقول: ( إني أنا الحر وما والضيفي أضرب في أعناقكم بالسيفي عن خير من حلّ بأرض الخيفي أضربكم ولا أری من حيفي ) حتی قتل منهم جماعه كثيرة علی كبر سِنّه وحمل أصحاب الحسين الحر ووضعوه أمام الفسطاط الذي يقاتلون دونه وكان به رمق فـ قال الحسين له وهو يمسح الدم عنه : أنت الحر كما سمّتك أمك وانت الحر في الدنيا والآخرة وعلی قولٍ أنت حر في الدنيا وسعيد في آلاخرة ورثاه رجل من أصحاب الحسين وقيل : علي بن الحسين
لـنعم الحرُّ حرُ بني رياح صبور عند مشتبك الرماح
ونعم الحرُّ إذ فادى حسيناً وجاد بنفسه عند الصباح
وقام الحسين الى الصلاة فصلّی بمن بقي من أصحابه صلاة الخوف وتقدم امامه زهير بن القين وسعيد بن عبد الله الحنفي في نصف من اصحابه ويقال إنه صلّى واصحابه فرادى بالايماء ولما أُثخن سعيد بالجرح سقط الى الارض وهو يقول: اللهم العنهم لعن عادٍ وثمود وأبلغ نبيك مني السلام وأبلغه ما لقيت من ألم الجراح فاني اردت بذلك ثوابك في نصرة ذرية نبيك صلى الله عليه وآله وسلم والتفت الى الحسين قائلا: أوفيت يا ابن رسول الله ؟ قال : نعم أنت امامي في الجنة ثم قال سعيد أبلغه أني تركت حسيناً في الأثر وقضى نحبه فوجد به ثلاثة عشر سهماً غير الضرب والطعن، ولما فرغ الحسين من الصلاة قال لأصحابه: يا كرام هذه الجنة قد فتّحت أبوابها واتصلت أنهارها وأينعت ثمارها وهذا رسول الله والشهداء الذين قتلوا في سبيل الله يتوقعون قدومكم ويتباشرون بكم فحاموا عن دين الله ودين نبيه وذبّوا عن حرم الرسول فقالوا: نفوسنا لنفسك الفداء ودماؤنا لدمك الوقاء فوالله لا يصل اليك والى حرمك سوء وفينا عرق يضرب ووثبوا الی خيولهم فعقروها ولم يبقِ مع الحسين فارس إلاّ الضّحاك بن عبد الله المشرقي يقول: لّما رأيت خيل أصحابنا تعقر أقبلتُ بفرسي وأدخلتها فسطاطاً لأصحابنا واقتتلوا أشد القتال وكان كل من أراد الخروج ودّع الحسين بقوله : السلام عليك يا ابن رسول الله فيجيبه الحسين وعليك السلام ونحن خلفك ثم يقرأ(ومنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا) وخرج أبو ثمامة الصائدي فقاتل حتى اُثخن بالجراح وكان مع عمر بن سعد ابن عم له يقال له قيس بن عبدالله بينهما عداوة فشّد عليه وقتله وخرج سلمان بن مضارب البجلي وكان ابن عم زهير فقاتل وخرج بعده زهير بن القين فوضع يده على منكب الحسين وقال مستأذناً :

أقـدم هديت هادياً مهديّاً فـاليوم القى جَدَّك النبيّا
وحـسناً والمرتضى عليّاً وذا الجناحين الفتى الكميّا
وأسد الله الشهيد الحيا
فقال الحسين : وأنا القاهما على أثرك ، وفي حملاته يقول: أنا زهير وأنا ابْن القين أذودكم بالسيف عن حسين
فقتل مئة وعشرين ، ثم عبط عليه كُثير بن عبدالله الشعذي والمهاجر بن أوس فقتلاه فوقف عليه الحسين ودعا له وجزّاه خيرا وقال: لعن الله قاتليك ولعن الذين مُسخوا قردة وخنازير وجاء عمرو بن قرظة الانصاري ووقف أمام الحسين يقيه من العدو ويتلقى السهام بصدره وجبهته فلم يصل إلى الحسين سوءٌ ولما كثر فيه الجراح التفت إلى أبي عبدالله وقال: أوفيت يا ابن رسول الله ؟ قال: نعم انت امامي في الجنة فاقرأ رسول الله مني السلام واعلمه اني في الاثر وخرَّ ميتاً فنادى أخوه علي وكان مع ابن سعد: يا حسين يا كذاب (أن ما أقول كلمته حتی تطلع علی خبث هؤلاء الافراد) غررت اخي حتى قتلته فقال عليه السلام: إني لم اغر اخاك ولكن الله هداه واضّلك فقال: قتلني الله إن لم اقتلك ثم حمل على الحسين ليطعنه فاعترضه نافع بن هلال الجملي فطعنه حتى صرعه فحمله اصحابه وعالجوه وبرأ ورمى نافع ابن هلال الجملي بنبال مسمومة كتب اسمه عليها وهو يقول ( أرمي بها معلمةً أفواقها مسمومةً تجري بها أخفاقها)
فقتل اثني عشر رجلاً سوى من جرح ولما فنيت نباله جرد سيفه يضرب فيهم فأحاطوا به يرمونه بالحجارة والنصال حتى كسروا عضديه واخذوه اسيراً فأمسكه الشمر ومعه اصحابه يسوقونه فقال له ابن سعد: ما حملك على ما صنعت بنفسك؟ قال: إن ربّي يعلم ما اردت ، فقال له رجل وقد نظر إلى الدماء تسيل على وجهه ولحيته: أما ترى ما بك ؟ فقال: والله لقد قتلت منكم اثني عشر رجلا ًسوى من جرحت وما ألوم نفسي على الجهد ولو بقيت لي عضد ما أسرتموني ثم قتله الشمر ولما صرع واضح التركي مولى الحرث المذحجي
استغاث بالحسين فأتاه أبو عبدالله واعتنقه فقال: من مثلي وابن رسول الله (ص) واضع خده على خدّي! (أنظر الی الحسين بن علي رجل الدين وألانسانيه يضع خده مرةً علی خّد ولده علياً الاكبر وكذلك ايضاً مرة اخری يضع خدّه علی خدّ غلامٍ تركي إذ لا يُفرّق إمامنا سلام الله عليه بين افراد النوع إلانساني فالدين إلانساني هو الدين إلاسلامي ) ثم فاضت نفسه الطاهرةومشی الحسين الی أسلم مولاه واعتنقه وكان به رمق فتبّسم وافتخر بذلك ومات رضوان الله عليه ونادى يزيد بن معقل : يا بُرير كيف ترى صنع الله بك؟ فقال: صنع الله بي خيراُ وصنع بك شراً فقال يزيد: كذبت وقبل اليوم ما كنت كذابا أتذكر يوم كنت أماشيك في (بني لواذن) وأنت تقول كان عثمان مسرفاً ومعاوية ضالاً وإن إمام الهدی علي بن أبي طالب قال:بُرير: بلى اشهد ان هذا رأيي فقال يزيد: وانا اشهد انك من الضالين فدعاه برير الى المباهلة فرفعا ايديهما الى الله سبحانه يدعوانه أن يلعن الكاذب ويقتله ثم تضاربا فضربه بُرير على رأسه ضربةً قدّت المغفر والدماغ فخر كأنما هوى من شاهق وسيف بُرير ثابت في رأسه وبينا هو يريد ان يخرجه إذ حمل عليه رضا بن منقذ العبدي واعتنق بُريراً واعتركا فصرعه بُرير وجلس على صدره فاستغاث رضا بأصحابه ، فذهب كعب بن جابر بن عمرو الازدي ليحمل على برير فصاح به عفيف بن زهير بن أبي الأخنس: هذا بُرير بن خضير القاري الذي كان يقرؤنا القرآن في جامع الكوفة فلم يلتفت اليه وطعن بُريراً في ظهره فبرك برير على رضا وعضّ وجهه وقطع طرف انفه وألقاه كعب برمحه عنه وضربه بسيفه فقتله وقام العبدي ينفض التراب عن قبائه وقال : لقد انعمت عليّ يا اخا الازد نعمة لا أنساها أبداً ولما رجع كعب بن جابر الى أهله عتبت عليه امرأته النوار وقالت: اعنت على ابن فاطمة وقتلت سيد القراء لقد اتيت عظيماً من الأمر والله لا اكلمك من رأسي كلمة أبداً فقال: سـلي تـخبري عنّي وانت ذميمة غـداة حـسين والـرماح شوارع الی آخر أبياته ونادی حنظلة بن سعد الشبامي : يا قوم إني اخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح وعادٍ وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلماً للعباد يا قوم اني اخاف عليكم يوم التّناد يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يُضلل الله فما له من هاد يا قوم لا تقتلوا حسيناً فيُسحتكم الله بعذابٍ وقد خاب من افترى فجّزاه الحسين خيراً وقال: رحمك الله انهم قد استوجبوا العذاب حين ردوا عليك ما دعوتهم اليه من الحق و نهضوا اليك ليستبيحوك واصحابك فكيف بهم الآن وقد قتلوا اخوانك الصالحين قال: صدقت يا ابن رسول الله أفلا نروح الى آلاخرة؟ فأذن له فسّلم على الحسين وتقدم يقاتل حتى قُتل رضوان الله عليه واقبل عابس بن شبيب الشاكري على شوذب مولى شاكر وكان شوذب من الرجال المخلصين وداره مألفاً للشيعة يتحدثون فيها فضل أهل البيت فقال: يا شوذب ما في نفسك ان تصنع ؟ قال: اُقاتل معك حتى اُقتل فجزّاه خيراً وقال له: تقدم بين يدي أبي عبد الله (ع) حتى يحتسبك كما احتسب غيرك وحتى أحتسبك فان هذا يوم نطلب فيه الاجر بكل ما نقدر عليه فسلّم شوذب على الحسين وقاتل حتى قُتل ووقف عابس امام أبي عبد الله (ع) وقال: ما امسى على ظهر الارض قريب و لا بعيد أعز عليّ منك ولو قدرت ان ادفع الضيم عنك بشيء أعز عليّ من نفسي لفعلت السلام عليك ، اشهد اني على هداك و هدى أبيك و مشى نحو القوم مصلتاً سيفه و به ضربة على جبينه فنادى: ألا رجل فأحجموا عنه لأنهم عرفوه اشجع الناس فصاح عمر بن سعد: أرضخوه بالحجارة فرمي بها فلما رأى ذلك القى درعه ومغفره وشد على الناس وانه ليطرد اكثر من مئتين ثم تعطّفوا عليه من كل جانب فقُتل رضوان الله عليه ووقف جون مولى أبي ذر الغفاري امام الحسين يستأذنه فقال عليه السلام: يا جون إنما تبعتنا طلباً للعافية فأنت في اذن مني فوقع على قدميه يقبلهما ويقول: أنا في الرخاء ألحس قِصاعكم وفي الشدة أخذلكم سيدي ان ريحي لنتن وحسبي للئيم ولوني لأسود فتنفس عليّ بالجنة ليطيب ريحي ويشرف حسبي ويبّيض لوني لا والله لا افارقكم حتى يختلط هذا الدم الاسود مع دمائكم أهل البيت فأذن له الحسين فقُتل خمساً وعشرين وقُتل فوقف عليه الحسين وقال: اللهم بيِّض وجهه وطيِّب ريحه واحشره مع محمدٍ (صلی الله عليه وآله وسلم) وعرِّف بينه وبين آل محمد( عليهم السلام) فكان من يمر بالمعركة يشم منه رائحة طيبة اذكى من المسك، وكان أنس بن الحارث بن نبيه الكاهلي شيخاًً كبيراً صحابياً رأى النبي وسمع حديثه وشهد معه بدراً وحنيناً ، فاستأذن الحسين وبرز شادّاً وسطه بالعمامة رافعاً حاجبيه بالعصابة ، ولما نظر اليه الحسين بهذه الهيئة بكى وقال: شكراً لله لك يا شيخ فقتل على كبرسنهِ ثمانية عشر رجلاً وقُتل وجاء عمرو بن جنادة الانصاري بعد أن قُتل أبوه وهو ابن إحدى عشرة سنة يستأذن الحسين هذا وقد أمرته أمه من قبل ذلك وقالت له : ولدي قم وأنصر ريحانة رسول الله بعد ما ألبسته لامة حربه فخرج يستأذن من الحسين بن علي فلما نظر إليه الحسين قال لأصحابه : هذا غلام قُتل أبوه في الحملة الأُولى ولعل أُمه تكره خروجه الی المعركه ردّوه الی الخيمة فأقبل الغلام يسعی نحو الحسين عجلاً خائفاً من أن يصّده أصحاب أبي عبد الله عن مراده وقصده فصاح :سيدي أبا عبد الله أن أمي هي التي ألبستني لامة حربي فأذن لي يابن رسول الله حتی أرزق الشهادة بين يديك فجزّاه الأمام خيرا فبرز وهو يقول أميري حسينٌ ( أميري حسينٌ ونعم الأمير سرور فؤاد البشير النذير علي ٌوفاطمةٌ والداه فهل تعلمون له من نظير له طلعةٌ مثل شمس الضحی له غرّةٌ مثل بدر المنير) فقاتل قتال الابطال فأحاط أعداء به من كل جانب أردوه الی الأرض صريعا فاحتزو رأسه ورموا به نحو الخيام فسعت الی رأسه أمه فمسحت الدم عنه وأخذته وضربت به رجلاً قريباً منها فمات وعادت الى المخيم فأخذت عموداً وقيل سيفاً وانشأت تقول: (أنا عجوز في النسا ضعيفة خاوية بالية نحيفة أضربكم بضربة عنيفة دون بني فاطمة الشريفة ) فردّها الحسين إلى الخيمة بعد أن اصابت بالعمود رجلين (وما رضي الحسين سلام الله عليه بأن تخرج امرأة من سائر نساء المسلمين امام الأعداء امام الرجال الأجانب فصونوا حلائلكم معاشر المسلمين كما تصونون ديناركم ودرهمكم) وقاتل الحجاج بن مسروق الجّعفي حتى خُضّب بالدماء فرجع الى الحسين يقول:( اليوم القی جدك النبيا ثم أباك ذا الندی عليا ذاك الذي نعرفه الوصيا) فقال الحسين : وأنا القاهما على أثرك فرجع يقاتل حتى قُتل ولما اُثخن بالجراح سويد بن عمرو بن أبي المطاع سقط لوجهه وظُنَّ انه قُتل فلما قُتِلَ الحسين وسمعهم يقولون: قُتل الحسين أخرج سكينةً كانت معه فقاتل بها وتعطّبوا عليه فقتلوه وكان آخر من قتل من الأصحاب بعد الحسين عليه السلام ولما لم يبق مع الحسين إلا أهل بيته عزموا على ملاقاة الحتوف ببأس شديد وحفاظ مر ونفوس أبية واقبل بعضهم يودّع بعضاً واول من تقدم هو شبيه رسول الله علي ٌ الأكبروكان شبيهاً برسول الله خلقاً وخُلقاً ومنطقاً فأحطن به النسوة وقلن أرحم غُربتنا فليس لنا طاقة علی فراقك فلم يأبی بكلامهن واستأذن أباه فبرز علی فرسٍ للحسين يسمی لاحقاً وهو يقول : (أنا علي بن الحسين بن علي نحن وبيت الله أولی بالنبي أضربكم بالسيف أحمي عن أبي ضربة غلامٍ هاشميٍ علوي تالله لا يحكم فينا ابن الدعي) ولم يتمالك الحسين دون أن رفع شيبته المقدّسه نحو السماء وأرخی عينيه بالدموع وقال: اللهم أشهد علی هؤلاء القوم فقد برز إليهم أشبه الناس برسوله محمّدٍ صلّی الله عليه وآله وسلّم وكنا إذ أشتقنا الی رؤيه نبيك نظرنا إليه اللهم امنعهم بركات الأرض وفرّقهم تفريقاً واجعلهم طرائق قدداً ولا ترضِ الولاة عنهم ابداً فأنهم دعونا لينصرونا ثم عدوا علينا يقاتلوننا وصاح ببن سعد : قطع الله رحِمك كما قطعت رحمي ولم تحفظ قرابتي من رسول الله ثم تلا قوله تعالی: ( إِنّ اللّهَ اصْطَفَى‏ آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ) ولم يزل يقاتل حتی قتل سبعين رجلاً وقد أشتّد به العطش فرجع الی أبيه يستريح ويذكر ما اجهده من العطش فبكى الحسين وقال: واغوثاه ما أسرع الملتقى بجدّك فيسقيك بكأسه الأوفی شربةً لا تظمأ بعدها أبداً (نادی يبويه شربة بمية چبدي يبويه اتگوی واگوم للگوم وحدي يبوية انفطر كبدي وحگ جدي العطش والشمس والميدان والحر يگله منين جيب الماي يبني وطگ روحي وحمت چبدي ولسبني يبويه استخلف الله العمر واصبر يگله والدمع يسفح من العين يابعدي وبعد كل الناس يحسين يگله اصبر وگلبي صار نصين اشلون اصبر يبويه والصبر مر) فقتل مئتين واتاه سهم وقع في حلقه وطعنه مُرة بن منقذ العبدي بالرمح في ظهره وضربه بالسيف على رأسه ففلق هامته وتابعه الناس بأسيافهم حتی قطّعوه إرباً فجاء إليه الحسين وأنكّب عليه يقول قتل الله قوماً قتلوك ما اجرأهم علی الله وعلی انتهاك حرمة الرسول على الدنيا بعدك العفا ثم أخذ بكفه من دمهِ الطاهر ورمی به نحو السماء فلم يسقط منه قطرة وامر فتيانه أن يحملوه الى الخيمة فجاؤا به إلى الفسطاط الذي كانوا يقاتلون أمامه وحرائر بيت الوحي ينظرن اليه محمولاً قد جللته الدماء بمطارف من العز حمراء وقد وزّع جثمانه الضرب والطعن فاستقبلنه بصدور دامية وعولةً تصكُّ سمع الملكوت وامامهن كبيرة البيت الهاشمي (زينب العقيلة) صارخةً نادبة فألقت بنفسها عليه تضم اليها جمام نفسها الذاهب وحمى خدرها المنثلم وعماد بيتها المنهدم وخرج من بعده عبد الله بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب وهو يقول : اليوم القى مسلماً وهو أبي وعصبة بادوا علی دين النبي، فقتل جماعة بثلاث حملات ورماه يزيد بن الرقاد الجهني بسهم فاتقاه بيده فسمرها الى جبهته فما استطاع ان يزيلها عن جبهته فقال : اللهم انهم استقلّونا واستذلّونا فاقتلهم كما قتلوناوبينا هو على هذا إذ حمل عليه رجل برمحه فطعنه في قلبه ومات ولما قُتل عبد الله بن مسلم حمل آل أبي طالب حملة واحدة فصاح بهم الحسين عليه السلام :صبراً على الموت يا بني عمومتي والله
لا رأيتم هواناً بعد هذا اليوم فوقع فيهم عون بن عبدالله بن جعفر الطيار وامه العقيلة زينب واخوه محمد وامه الخوصاء وعبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب واخوه جعفر ابن عقيل ومحمد بن مسلم بن عقيل وأصابت الحسن المثنى ثمانية عشر جراحة وقطعت يده اليمنی ولم يُستشهد وخرج أبوبكر بن امير المؤمنين عليه السلام واسمه محمد وامه شرية قتله زحر بن بدر النخعي ثم خرج عبد الله بن عقيل فما زال يضرب فيهم حتى اُثخن بالجراح وسقط الى الارض فجاء اليه عثمان بن خالد التميمي فقتله وخرج أبو بكر بن الأمام الحسن عليه السلام وهو عبد الله الاكبر وامه ام ولد يقال لها رملة فقاتل حتى قُتل وخرج من بعده اخوه لامه وأبيه القاسم وهو غلام لم يبلغ الحُلم فلما نظر اليه الحسين عليه السلام اعتنقه وبكى اذن له فبرز كأن وجهه شقة قمر وبيده السيف وعليه قميص وإزار وفي رجليه نعلان فمشى يضرب بسيفه فانقطع شسع نعله اليسرى وأنف ابن النبي الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم أن يحتفي في الميدان فوقف يشد شسع نعله وهو لا يزن الحرب الا بمثله غير مكترث بالجمع ولا مبال بالالوف وبينا هو على هذا إذ شد عليه عمرو بن سعد بن نفيل الازدي وضربه بالسيف علی رأسه ففلق هامته وصاح الغلام ياعماه وأمه واقفه بباب الخيمة تنظر إليه وهي مدهوشة فأتاه الحسين وضرب قاتله فاتقاه بالساعد فأطنها من المرفق فصاح صيحة عظيمة سمعها العسكر فحملت خيل ابن سعد لتستنقذه فأستقبلته بصدورها ووطأته فمات وانجلت الغبرة واذا الحسين قائم على رأس الغلام وهو يفحص برجليه والحسين يقول: بعداً لقوم قتلوك خصمهم بوم القيامة جدّك ثم احتمله ورجلاه يخطان في الأرض فألقاه مع علياً الاكبر وقتلى حوله من أهل بيته ولما رأى العباس عليه السلام كثرة القتلى في أهله قال لأخوته من أمّه وأبيه عبد الله وعثمان وجعفر: تقدّموا يا بني أُمي حتى أراكم نصحتم لله ولرسوله والتفت الى عبد الله وكان أكبر من عثمان وجعفر وقال: تقدم يا أخي حتى أراك قتيلا وأحتسبك فقاتلوا بين يدي أبي الفضل حتى قُتلوا بأجمعهم ولم يستطع العباس صبراً بعد قتل إخوته وأولاد عمه وأخيه وكان آخر من بقي مع الحسين فستأذنه قال: (ياأخي أنت صاحب لوائي ) قال العباس: قد ضاق صدري وأريد أن آخذ ثأري من هؤلاء المنافقين فقال الحسين:إذاً فأطلب لهؤلاء الأطفال قليلٌ من الماء فذهب العباس الى القوم ووعظهم وحذّرهم غضب الجبّارفلم ينفع ورجع الی الحسين يخُبره فسمع الأطفال ينادون العطش العطش فركب جواداً وأخذ الِقربة وقصد الفرات فأحاط به أربعة آلاف ورموه بالنبال فلم يأبی بجمعهم ولم ترعه كثرتهم فكشفهم عن المشرعة ودخل الماء واغترف منه ليشرب فتذّكر عطش الحسين فرمی الماء وقال :
يا نفس من بعد الحسين هوني وبعده لاكنت أن تكوني
هذا الحسين وارد المنون وتشربين بارد المعين
(شلون أشرب واخويه حسين عطشان دجله والحرم واطفال رضعان وظل گلب العليله ولهان ياريت الماي بعده لا حلا و ظل هذا الماي يجري بطول حيّر اضوگه گبل چبدي حسين هيهات وظل طفله والعطش ماي واظل موت كرم والعمر گصّر) ثم ملأ القربة وتوجه نحو المخيم فأخُذ عليه الطريق وجعل يضرب فيهم وهو يقول :
لا أرهب الموت اذا الموت زقا حتی اُواری في المصاليت لقی
اني انا العباس اغدو بالسِقا ولا اهاب الموت يوم الملتقی
فكمن له زيد بن الرّقاد من وراء نخلةٍ وعاونه حكيم بن الطفيل السنبسي فضربه على يمينه فبراها وأخذ السيف بشماله وقال (والله إن قطعتم يميني إني أُحامي ابداً عن ديني ) فحافظوا عن دينكم ايها المسلمون وتمّسكوا به فأنه خير دينٍ ( وعن امامٍ صادقٍ اليقينِ نجل النبي الطاهر الامينِ) فكمن له حكيم بن الطفيل من وراءِ نخلة فضربه علی شماله فقطعها فضّم اللواء الی صدره وتكاثروا عليه وأتته السهام كالمطرفأصاب القربة سهم وأريق ماؤها وسهم أصاب صدره وسهم أصاب عينه وضربه رجل بالعمود على رأسه ونادی عليك مني السلام أبا عبد الله فـ أتاه الحسين ورأه مقطوع اليمين واليسار مُرتـثـاً بـ الجراحا انحنی عليه وبكی بكاءً عالياً وقال : آلان انكسر ظهري وقلّت حيلتي وشمُت بي عدّوي ثم حمل عليه ذويد بن بثير ويقول : بنا اين تفرّون وقد فتتم عمودي فـ بينما أمامنا جالس عند أبي الفضل وإذا بـ أبي الفضل التفت فـ قال سيدي ما تريد أن تصنع قال أريد حملك إلی المخيّم : ( نادی يا خويه حسين خليني بمچاني، يگله ليش يازهرة زماني، يا خويه واعدت سكنه تراني، ابميه ومستحي منهه ومگدر ياخويه منين جتك المنية وتگضي بالشمس والعطش والحر ) ، فـ بعد هيئةٍ فاضت روح أبي الفضل في حجر أبي عبد الله الحسين فرجع الحسين الی المخيّم منكسراً حزيناً يكفكف دموعه بكمه وقد تدافعت الرجال على مخيمه فـ صاح : أما من مجير يجيرنا ؟ أما من مغيث يغيثنا ؟ أما من طالب حق ينصرنا ؟ أما من خائفٍ من النار فـ يـذب عنا ؟ فـ أتـته سكينة وسألته عن عمها فـ أخبرها بـ قتله وسمعـته زينب فـ صاحت: وا أخاه وا عباساه وا ضيعتنا بعدك وبكين النسوة وبكى الحسين معهن وقال : وا ضيعتنا بعدك ولما قُتل العباس التفت الحسين فلم ير احداً ينصره ونظر الى أهله وصحبه مجزّرين كالأضاحي وهو إذ ذاك يسمع عويل الايامی وصراخ الأطفال صاح بأعلى صوته: هل من ذاب عن حرم رسول الله ؟ هل من موحد يخاف الله فينا ؟ هل من مغيث يرجو الله في اغاثتنا ؟ فأرتفعت اصوات النساء بالبكاء، ونهض السجاد (ع) يتوكأ على عصا ويجر سيفه لانه مريض لا يستطيع النهوض فصاح الحسين بأم كلثوم احبسيه لئلا تخلو الأرض من نسل آل محمد فأرجعته الى فراشه وهي تنادي (يخويه ومالك معي وگومك عالغبره مطاعي انا منين اجيب المرتضی منين عن كربلة يابه غبت وين ) ثم إنه عليه السلام أمر عياله بـ السكوت وودّعهم وكان عليه جبة خز دكناء وعمامة مورَّدة أرخى لها ذوابتين والتحف ببُردة رسول الله ولبس درعه وتقـلد بـ سيفه وطـلب ثوبـاً لا يرغب فيه أحد يضعه تحت ثيابه لـئـلا يجرد منه فـ إنه مقتول مسلوب فـ أتـوه بـتّـبان فـ لم يرغب فيه لأنه من لباس الذلة وأخذ ثوباً خرقاً وخرّقه وجعله تحت ثيابه ودعا بسراويل فـ فزرها ولبسها لئلا يسلبها ودعا بولده الرضيع يودعه فـ أتته زينب بإبنه عبد الله وأمه الرباب فـ أجلسه في حجره يقبله ويقول بُعـداً لـ هؤلاء القوم إذا كان جدّك المصطفى خصمهم ثم أتى به نحو القوم يطلب له الماء فـ رماه حرملة بـ سهم فـ ذبحه فـ تلقى الحسين الدم بـ كـفـه ورمى به نحو السماء فـ لم تسقط منه قطرة وقال أول ما نزل بي أنه بـ عـيـن الله تعالى اللهم لا يكون أهـون عليك من فصيل ناقة صالح، إلهي إن كنت حبست عـنا النصر فـ اجعله لما هو خير منه وانـتـقـم لنا من الظالمين واجعل ما حلّ بنا في العاجل ذخيرةً لنا في الآجل اللهم انت الشاهد على قوم قتلوا أشبه الناس بـ رسولك محمد صلى الله عليه وآله وسمع عليه السلام قائلا يقول : دعه يا حسين فإن له مرضعـةً في الجنة فـ جاء به إلی قرب خيمة ( العقيلة زينب ) ورجع به الی أمه لأن الأم لا تتوكد أن تری ولدها مقتول أمامها فخرجت إليه العقيلة فلما نظرت الی الطفل وإذا به مذبوح من الوريد الی الوريد والسهم نابتٌ في نحرهِ ودمه مسفوح علی صدره (نادت يخويه الطفل عني دغطيه انا مالي گلب يحسين اصد ليه اشوفن ذبيح ومدري جليه خويه خذته العطش الحگ عليه هذا الخفت منه طحت بيه ) وحفر له الحسين سلام الله عليه بـ جفن سيفه ودفنه مرملاً بدمه ويقال وضعه مع قتلى أهل بيته وتقدّم نحو القوم مصلتاً سيفه آيساً من الحياة ودعا الناس إلى البراز فـ لم يزل يقتل كل من برز اليه حتى قتل جمعاً كثيراً ثم حمل على الميمنة وهو يقول : ( الموت أولی من ركوب العار والعار أولی من دخول النار ) ، وحمل على الميسرة وهو يقول :
انا الحسين بن علي آليت أن لا أنثني
أحمي عيالات أبي أمضي علی دين النبي
و أعياه نزف الدم فـ جلس على الأرض ينوء بـ رقبته فـ انتهى إليه في هذا الحال مالك بن النسر فـ شتمه ثم ضربه بـ السيف على رأسه وكان عليه بُرنس فـ امتلأ البُرنس دماً فـ قال الحسين : لا أكلت بـ يمينك ولا شربت وحشرك الله مع الظالمين ثم ألقى البُرنس واعتم على القلنسوة قال هاني بن ثبت الحضرمي : إني لـ واقف عاشر عشرة لما صرع الحسين إذ نظرت الى غلامٍ من آل الحسين عليه ازار وقميص وفي اذنيه درتان وبيده عمود من تلك الأبنية وهو مذعور يتلفت يميناً وشمالا فأقبل رجل يركض حتى اذا دنا منه مال عن فرسه وعلاه بالسيف فقتله وذلك الغلام هو محمد بن أبي سعيد بن عقيل بن أبي طالب وكانت امه تنظر اليه وهي مدهوشة ثم انهم لبثوا هُنيئةً وعادوا الى الحسين واحاطوا به وهو جالس على الأرض لا يستطيع النهوض فنظر عبدالله بن الحسن السبط وله احدى عشرة سنة الى عمه وقد أحدق به القوم فأقبل يشتد نحو عمه وأرادت زينب حبسه فأفلت منها وجاء الى عمه وأهوى بحر بن كعب بالسيف ليضرب الحسين فصاح الغلام : يا ابن الخبيثة أتضرب عمّي الحسين ؟ فغضب اللعين من كلامه فضرب الغلام بسيفه فاتقی الضربة بيده فـ أطنها إلى الجلد فإذا هي معلقة فـ صاح الغلام : يا عماه لقد قطعوا يدي ونظر الی أمه في باب الخيمه فنادی يا أماه لقد قطعوا يميني فـ ضّمه الحسين إليه فقال يابن اخي اصبرعلی مانزل بك واحتسب في ذلك الخير فان الله تعالى يلحقك بآبائك الصالحين ورفع يده قائلاً : اللهم ان متعتهم الى حينٍ ففرقهم تفريقاً واجعلهم طرائق قدداً ولا تُرِضِ الولاة عنهم ابداً فانهم دعونا لينصرونا ثم عدوا علينا يقاتلونا ورمی الغلام حرملة بن كاهل بـ سهم فذبحه وهو في حجر عمه وبقي الحسين مطروحاً، علی الأرض ملياً ولو شاؤوا أن يقتلوه لـ فعلوا إلا أن كل قبيلة تـتـكـل على غيرها وتكره الأقدام فـ صاح الشمر: ما وقوفكم وما تنتظرون بـ الرجل وقد اثخنته السهام والرماح احملوا عليه فـ ضربه زرعة بن شريك على كتفه الايسر ورماه الحُصين في حلقه وضربه آخر على عاتقه وطعنه سنان بن انس في ترقوته ثم في بواني صدره ثم رماه بسهم في نحره وطعنه صالح بن وهب في جنبه قال هلال بن نافع كنت واقفاً نحو الحسين فرأيته يجود بنفسه فوالله ما رأيت قتيلا قط مضمخاً بدمه احسن منه ولا انور وجهاً ولقد شغلني نور وجهه عن الفكرة في قتله فاستسقى في هذه الحال ماءً فأبوا ان يسقوه وقال له رجل لا تذوق الماء حتى ترد الحامية فتشرب من حميمها فقال عليه السلام: انا ارد الحامية وإنما ارد على جدي رسول الله واسكن معه في داره في مقعد صدق عند مليك مقتدر واشكو اليه ما ارتكبتم مني و مافعلتم بي فغضبوا بأجمعهم حتى كأن الله لم يجعل في قلب احدهم من الرحمة شيئاً واقبل فرس الحسين يدور حوله ويلطخ ناصيته بدمه فصاح ابن سعد دونكم الفرس فانه من جياد خيل رسول الله فأحاطت به الخيل فجعل يرمح برجليه حتی قتل جماعةً فقال ابن سعد دعوه لننظر ما يصنع فلما أمن الجواد الطلب اقبل نحو الحسين يمرغ ناصيته بدمه ويشمه ويصهل صهيلا عالياً قال أبو جعفرالباقر(ع) كان يقول: ( الظليمة ، الظليمة ، من أمة قتلت ابن بنت نبيها ) وتوجه نحو المخيم بذلك الصهيل فلما نظرن النساء الى الجواد مخزياً والسرج عليه ملويا خرجن من الخدور على الخدود لاطمات وبالعويل داعيات وبعد العز مذللات والى مصرع الحسين مبادرات :
فواحدة تحنو عليه تضُّمه وأخری عليه بالرداء تظلل
وأخری بفيض النحر تصبغ شعرها وأخری تفّديه وأخری ُتقبله
وأخری علی خوفٍ تلوذ بجنبه وأخری لما قد نالها ليس تعقل
ونادت أُم كلثوم: وا محمداه وا أبتاه وا علياه وا جعفراه وا حمزتاه هذا حسين بالعراء صريع بكربلا ونادت زينب: وا أخاه وا سيداه وا أهل بيتاه ليت السماء أطبقت على الأرض، وليت الجبال تدكدكت على السهل وانتهت نحو الحسين وقد دنا منه عمر بن سعد في جماعة من أصحابه والحسين يجود بنفسه فصاحت : أي عمر أيقتل أبو عبدالله وأنت تنظر اليه ؟ فصرف بوجهه عنها ودموعه تسيل على لحيته فقالت: ويحكم أما فيكم مسلم ؟ فلم يجبها احد ثم صاح ابن سعد بالناس : انزلوا إليه وأريحوه فبدر إليه شمر فرفسه برجله وجلس على صدره وقبض على شيبته المقدّسة وضربه بالسيف اثنتي عشرة ضربة واحتز رأسه المقدس